يبدو ان البعض يريد أن يعيش فرحا دائما لا يعكر صفوه الحزن أبدا وان كان اجباريا, فليس للإنسان حول ولا قوة في حدوثه, فالشعور بالحزن لوفاة العزيز في الأسرة هو أمر طبيعي لدى كافة البشر, فقد حدث العكس كما حدث للمطرب علي الحجار الذي دفن والده في الصباح ولم ينتظر فترة العزاء المعروفة, حيث هرول إلى الغناء في مساء ذلك اليوم. هذا الاختصار الشديد للأحزان يذكرني بمقابلة إذاعية خاصة مع الراحل محمد عبدالوهاب حيث ضرب مثلا باخلاصه لفنه إلى الحد الذي لم يقبل أن يعتذر عن حفلة غنائية في يوم وفاة والده, فبعد أن قام بدفنه أوفى بوعده وأحيا ليلة العزاء بالطرب والغناء خلافا لكل ما تعارف عليه الناس, وكأن الاخلاص لا يتحقق إلا على حساب الواجبات التي لا يتخلى عنها الأغراب, فكيف إذا كان صاحب الواجب أعز عزيز على الإنسان, فبقطع شعرة الأبوة والبنوة يحدث الخلل في أصل العلائق البشرية التي تعتمد التواصل عنصرا لاستمرارية البناء. يقول الخبر: غيب الموت الفنان ابراهيم الحجار وكان نجل الراحل المطرب علي الحجار ارتبط باحياء حفلة اختتام مهرجان الأغنية العربية.. وبعدما دفن والده في الصباح, غنى وأسعد جمهوره وعشاق فنه في المساء. إن موت الإحساس أشد على الإنسان من الموت الحسي, وصدق الشاعر لمن قال له: منين أجيب احساس للي ما يحس. فالجمهور الذي يسعد على أحزان الآخرين ليس فيه ذوق فني ولا عشق للروح, فهو لاهٍ أكثر من كونه واعيا لما يدور حوله من أحداث. فإذا خرج الموت يوما من قائمة الأعذار التي تبيح للإنسان الاعتذار عن أهم قضية في حياته ساعة تلبية نداء الروح, فإن بقية القائمة حرية أن تخرج منها سالمة غانمة, أن تحل المصيبة على رؤوس أصحاب الأعذار القاهرة فلا تدع مجالا لمعتذر أن يبدي عذرا لظروفه الطارئة, فاللهم ارحم الأموات دائما من خلل الأحياء الذين يمارسون لهوهم في ساعة حزن مفاجئ يقوم فيه البعض بالغاء بند الاحترام من سلم الحياة الاجتماعية. د. عبدالله العوضي E-Mail: DrAbdulla@albayan.co.ae