شيئان أحرص عليهما في الشراء كلما سافرت إلى خارج مصر. الكتب وشرائط الأفلام العالمية الجديدة. في البداية كانت الكتب وحدها, لكن مع ثورة (الفيديو) , وتحول الأفلام العالمية إلى شرائط صغيرة للفيديو, أصبحت أحرص على شراء الأفلام التي لم يتح لي مشاهدتها, والأفلام التي أود الاحتفاظ بها ورؤيتها أكثر من مرة لقيمتها الفنية, والأفلام التي رأيتها في مصر, ولكن مقص الرقيب قطع منها ما يصدم ذوق الجمهور. والطريف في الأمر أنني كنت ألعن مقص الرقيب في البداية, وأتمنى لو نرفعه تماما, وكنت أتصور أن الأمر لو أوكل إلي شخصي لمنعت مقص الرقيب, ولكنني كنت واهما للأسف, فإدارة الرقابة في مصر تتبع اختصاصاتي بوصفي الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة, وبوصفها إحدى إدارات هذا المجلس. وكم كانت حدة المفارقة دالة في ذهني عندما وجدت أن الواقع غير الحلم, وأن الرقابة شر لابد منه, أو أنها عملية تربوية لا يمكن التخلي عنها مع وجود كل هذا الكم الرهيب من التقاليد والأعراف. ولذلك صرت أفعل في واقع الحياة ما أتمنى زواله عندما تتغير أحوالنا الثقافية, وما يجعلني أنفر من علاقتي بالرقابة كلما رأيتهم يتدخلون بالحذف في مواضع أرى قيمتها الفنية عالية جدا, حتى لو كانت صادمة للذوق التقليدي. ولم يكن يعزيني إزاء مثل هذه المواقف إلا أنني يمكن أن أحصل على نسخة كاملة من الفيلم في الخارج, فلا أزال أحلم في أعماقي أن تكون الرقابة ذاتية, وأن نتحرر من الكثير من التقاليد الجامدة, ونؤمن أننا نعيش في زمن مختلف, يستطيع فيه من يشاء أن يعرف ويرى ويسمع ما يشاء بواسطة (الإنترنت) أو بواسطة الفضائيات. وإلى أن يأتي يوم يدرك الجميع فيه حقيقة عالمنا القادم وشروطه, فلا مفر من مراوغة نواهي الرقابة, ومشاهدة الشرائط الممنوعة بشرائها من الخارج, خصوصا إذا كانت شرائط أفلام عظيمة فنيا. وأتصور أن هذا الاحتراس الأخير يمايز بين أفلام الجنس التي هي من قبيل الإثارة الحسية الرخيصة والأفلام التي تتناول الجنس بوصفها مشكلة مهمة من مشكلات حياتنا التي تؤدي إلى نتائج خطيرة لو تجاهلناها أو قمعناها. والفارق بين الأفلام الأولى والأفلام الثانية, فنيا, أقرب إلى الفارق بين راقصة شرقية لا تهدف إلا إلى إثارة الغرائز وراقصة الباليه التي تؤدي دورا في بناء فني متكامل, هدفه الارتقاء بالأرواح والسمو بالأجساد والتحليق بالمشارك. ولذلك تأخذ حركات الراقصة الشرقية طابعا لولبيا هابطا, فحركتها ثعبانية تهبط من الأعلى إلى الأسفل, لتقترب من الأرض كما لو كانت تؤكد دونية الهدف من أدائها. وراقصة الباليه منطلقة دائما, محلقة دائما, متحركة إلى الأعلى دائما, في فضاء المسرح, كأنها تتمرد بجسدها على قوانين الضرورة, وتستبدل خفة الكائن بثقل الجسد, فترتفع فوق شروطه, وتجاوز قيوده. لا يمنعها من التحليق الكامل سوى مدى القوس الذي تنطلق منه كالسهم. ورغم أن ملابس راقصة الباليه أقل من ملابس الراقصة الشرقية, ومن ثم أكثر عريا إذا كنا نتحدث عن المستور وغير المستور, فإن راقصة الباليه لا تثير فيمن يشاهدها سوى مشاعر الانطلاق الراقية, وانفعالات الفن المترابطة داخل سياقها الإبداعي الكبير. والأمر نفسه في الأفلام الفنية التي تتخذ الجنس موضوعا لها, محاولة تمجيد الجسد الإنساني الذي يجاوز شروط الضرورة. قد يختلف معي القارئ في ذلك أو يتفق, لكن المهم أن السينما في عصرنا أصبحت مثل الكتاب, بل أصبحت مزاحما له وبديلا عنه في حالات كثيرة, خصوصا في المجتمعات التي تنتشر فيها الأمية, وتصبح وسيلة التثقيف الأساسي هي العين الباصرة لما تراه على الشاشة الفضية. وقد جاء التلفزيون ليصل بتأثير الفيلم إلى ذروته, ويدخلنا إلى قدس أقداس ما أطلق عليه مؤرخ الفنون أرنولد هاوزر في كتابه (التاريخ الاجتماعي للفن) اسم (عصر الفيلم) . يقصد القرن العشرين الذي صعدت فيه (ثورة الجماهير) إلى ذروتها, مؤكدة حضور (الديمقراطية الجماهيرية) التي وجدت ما يدعمها في فن السينما أولا, وفي حضور جهاز التليفزيون الذي أصبح نافذة أخرى للسينما ومنافسا لها في الوقت نفسه. وبقدر ما تتطور تقنيات التلفزيون, في مسلسلاته الخاصة وبرامجه التي تعتمد على تقديم الأفلام, فإن السينما تواصل تطوير تقنياتها, لتجذب المشاهدين الذين حبسهم التلفزيون في المنازل, وتخرجهم منها ليشاهدوا من المتع البصرية لهذا الفن الجميل ما لا يستطيع التلفزيون أن يقدمه. وكان ذلك يعني الانتقال من زمن شريط الفيديو الذي ظل رفيقا للكتاب ومنافسا له إلى زمن القرص المبرمج (أو الـ C.D ) الذي أصبح أ كثر إتقانا من الناحية التقنية, ومن ثم أنقى صوتا وأصفى صورة من الشريط القديم . وأحسب أنه سيأتي يوم يختفي فيه شريط الفيديو مثلما اختفت أشكال الاسطوانة القديمة, ولا تبقى سوى أقراص السي دي التي ينفتح أمامها أفق لا نهائي من التطور التقني الذي لا نرى الآن سوى بداياته, فما نعرفه عن الصوت الديجيتال والصورة الإلكترونية ليس سوى ألف باء التقدم اللانهائي لهذا الفن. ولذلك تراني أنظر إلى شرائط الفيديو في مكتبتي نظرة إشفاق, خصوصا كلما ألاحظ مزاحمة أقراص السي دي لها وتزايدها الذي أخذ يزاحم شرائط الفيديو التي يتقلص حضورها. أذكر أنني في سفراتي كنت أترك المكتبات بعد أن أشبع نهمي من شراء الكتب التي أريدها والتي لم أسمع عنها, وانتقل إلى المحلات التي تبيع شرائط الفيديو, ومع الوقت لاحظت تعدد أحجام هذه الشرائط, وظهور شرائط صغيرة, الشريط الواحد منها في حجم علبة السجائر أو لا تزيد عنها كثيرا. ولكن مع مضي السنوات, بدأت ألاحظ ظهور شرائط السي دي التي كانت تظهر على استحياء إلى جانب الرفوف المزدحمة بشرائط الفيديو. آخر سفرة لي منذ شهر على وجه التقريب, وجدت الموقف انقلب رأسا على عقب, على الأقل فيما شاهدته من محلات نيويورك, فأقراص السي دي أصبحت الأصل, وشرائط الفيديو أصبحت هي الفرع. وهذا نوع من التغير يدل على تقدم التقنيات وتقدمها في تسجيل أفلام السينما التي لا تزال تجذب الملايين إلى سحر شاشاتها الفضية. وأتصور أن هذا السحر هو ما جعلني أضع في عنوان هذا المقال كلمة (فراديس) التي هي جمع (فردوس) . وهي كلمة تشير في معناها إلى البستان والجنة والروضة وخضرة الأعشاب. وقد قيل إن (فردوس النعيم) اسم الجنة التي أسكنها الله (سبحانه وتعالى) آدم (عليه السلام) حتى أثم. وقيل إن الكلمة ذات صلة في دلالتها بمعنى الاتساع والرحابة بل السماحة, فالمفردس هو الواسع الصدر, والكرم المفردس هو الكرم المعرش الملئ بأعراش العنب ودواليه. ولا أقصد بكلمة الفراديس في عنوان هذا المقال المعنى الديني بالطبع, وإنما المعنى الذي يربطها بما يجاوز الواقع, وما يدخلنا إلى دنيا الخيال البهيج, الدنيا التي تتحول إلى ما يشبه الجنة التي نفر إليها, واجدين في أفيائها ما يشبع توقنا الخيالي في الانطلاق, وما يحقق أحلامنا, ويطلق سراح رغباتنا التي تمضي محلقة في ظلمة القاعة التي لا تضيء فيها سوى شاشة فضية تنقلنا من عالم إلى عالم. أذكر أن من أوائل الأفلام التي شاهدتها في السينما, كان فيلما عن علاء الدين والمصباح السحري. ولم يبهرني علاء الدين أو المصباح السحري الذي كان يحكه علاء الدين فيخرج منه الجني الهادئ, قائلا له: شبيك لبيك, عبدك ملك يديك, فقد قرأت حكاية علاء الدين ومصباحه في (ألف ليلة) , وحلمت أن أجد هذا المصباح في طريقي ذات يوم حتى يحقق لي كل ما أريد, ومع الوقت تعودت على وجود علاء الدين في عالم خيالي. ما بهرني حقا هو البساط السحري الذي كان يجلس فوقه علاء الدين, ويطير به في السماوات العريضة, منتقلا كالبرق من مكان إلى مكان, تتوالى تحته صور المزارع والحدائق والمدن بقصورها وقلاعها وأكواخها والصحراوات بنباتاتها وحيواناتها. وفي النهاية, يهبط البساط المسحور فوق القصر المرصود, وينزل منه علاء الدين كي ينقذ حبيبته الأسيرة من الوزير الشرير, ويعيد لأبيها عرشه المغتصب, فيكافئه الأب بزواجه من الأميرة التي يعيش معها في ثبات ونبات ويخلفا صبيانا وبنات. هذا الانبهار الذي شعرت به عندما رأيت أفاعيل البساط السحري في السينما للمرة الأولى في حياتي, فأدخلني إلى دوامة جديدة من الخيال البهيج, هو الانبهار نفسه الذي ظللت أشعر به كلما شاهدت السينما, تلك التي تحولت شاشتها الفضية إلى بساط سحري آخر, وتحولت أنا إلى علاء الدين الذي يسلم نفسه إلى البساط فينقله من عالم إلى عالم ومن خيال إلى خيال, ومن الواقع إلى الفن, بل من الفن إلى الواقع بعين جديدة ترى ما لم تكن تراه من قبل, وتحدق في كل شيء كما لو كانت تراه للمرة الأولى.