هل أخطأ والي ولاية الخرطوم في السودان باتخاذه قرارا يحظر عمل النساء في مجالات معينة سماها هي: الفنادق والمطاعم ومحطات الوقود؟ وما هو وجه الخطأ اذا كان هنالك خطأ؟ لقد أثار القرار زوبعة احتجاجية قوية تقدمتها نقابات نسائية مدعومة بقسم كبير من المحامين بالاضافة الى شخصيات عامة. وتطور الاحتجاج ليتخذ صورة دعوى قضائية الى المحكمة الدستورية التي اتخذت على الفور قرارا بتجميد قرار الوالي الى ان تفصل المحكمة في الدعوى. وسواء حكمت المحكمة الدستورية بدستورية قرار الوالي او عدم دستوريته فان حكمها قد لا يتضمن الاجابة عن السؤال الاعظم: ما هي المرجعية القيمية النهائية في الشئون الجدلية المتعلقة بالمرأة في مجتمع تتكون اغلبيته العظمى من المسلمين؟ واذا اعتمدت الشريعة الاسلامية كمرجعية نهائية لا مرجعية بعدها فان السؤال الذي ينبغي ان يطرح في السياق الذي نحن بصدده ليجيب عنه فقهاء الاسلام هو كما يلي: هل عمل المرأة في الفنادق والمقاهي والمطاعم ومحطات الوقود وأشباهها محرم على اطلاقه؟ ام ان التحريم ـ اذا كان هناك تحريم فعلاً ـ يقتصر على جوانب معينة في مجال الممارسة العملية لهذه المهن.. كأن يكون محرما مثلا على المرأة العاملة في فندق خدمة النزلاء من الرجال داخل الغرف؟ ان الشرع الاسلامي لا يحظر من حيث المبدأ على المرأة العمل الكسبي لكنه يضع ضوابط وقيودا بما يمنع الاحتكاك غير الشرعي بين النساء والرجال. وصوابية او عدم صوابية قرار ذلك الوالي السوداني يجب ان يحكم فيها من هذا المنظور الشرعي لا غيره. لقد كان مثيرا للدهشة ان الشخصيات السياسية السودانية التي تصدت لهذا القرار من منطلق انه خاطىء وجائر في حق المرأة السودانية تستشهد بمواثيق الامم المتحدة والاتفاقيات الدولية بشأن المرأة وكأنما بات لزاما على المسلمين في مجتمع مسلم ان يديروا ظهورهم للقرآن والسنة كمرجعية شاملة ونهائية وان يستعيضوا عنهما بمواثيق وضعية. لقد ارتفعت خلال العقدين الاخيرين وتائر حملة غربية منظمة موجهة الى النخب المثقفة في العالم الاسلامي لاغرائها بالانسلاخ عن ارثها الديني. وكان منطلق الحملة في البداية شعار (فصل الدين عن السياسة) . ولكن مع مضي الزمن تبين ان الهدف النهائي هو فصل الدين عن المجتمع بأسره. وضمن هذا السياق ابتدعت (قضية المرأة) كمدخل ذكي غير مباشر للطعن في الشريعة الاسلامية كنظام للحياة. لقد شاهدت مؤخرا ندوة تلفزيونية في احدى الفضائيات العربية محورها (قهر المرأة العربية على يد الرجل) . وقد لاحظت ان مسار المساجلات النقاشية في الندوة ـ وقد استغرق اكثر من ساعتين ـ يبدو وكأنه مرتب سلفا لاحداث خلط وارتباك في أذهان المشاهدين بين عادات وممارسات اجتماعية قبيحة وبين ما يقول به الشرع الاسلامي. اجل.. ان النساء في مجتمعات عربية يعانين من قهر ذكوري عدواني الطابع ولكن ما ان تدقق في هذه الممارسات العدوانية حتى تكتشف ان الاسلام يحظرها انطلاقا من دعوته الى اعلاء كرامة المرأة كأم وزوجة واخت. انني لا اعرف على وجه الدقة العلمية الشرعية ما اذا كان ذلك الوالي السوداني مصيبا او مخطئا في قراره.. قد يكون هذا وقد يكون ذاك. لكن اعرف على الاقل كمسلم ان المعيار الاوحد الذي يجب ان يعتمد لتقرير ما اذا كان مصيبا او غير ذلك ليس سوى ما يأمر به الله وينهى عنه.