(عندما انهدم المعبد البلشفي واطفئت انوار الكرملين السوفييتي في عهد جورباتشوف, بدأت الخلافات بل والتناقضات تطل برأسها من جديد في منطقة آسيا الوسطى). مع انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي في اوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي, ظهرت إلى الوجود حقيقة جيوسياسية جديدة تمثلت في خمس دول أعيد إدماجها في خريطة العالم المعاصر وتقع في منطقة وسط آسيا وكانت تسمى بالجمهوريات السوفييتية الآسيوية وهي: كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان وقرغيزستان ويبدو من مجرد أسمائها إذ تحمل كل منها لفظة تشير إلى الأرض أو الوطن إنما تنتسب إلى نوعية الشعب أو الأصل العرقي الذي ينتمي إليه سكان كل منها. والإسلام يكاد يكون هو العقيدة الدينية الغالبة في جمهوريات آسيا الوسطى وهو يختلط ويمتزج عضويا بالأعراف الثقافية والقيم الحضارية والمراحل التاريخية في تلك الأصقاع. الاهتمام المطلوب وفي ضوء هذه الحقيقة, فإننا نحسب أن الاهتمام المتعمق بها وبتطورات الحياة فيها وبكل ما قد تنطوي عليه تلك الكيانات من فرص متاحة أمام التواصل الثقافي والروحي والعقيدي والتجاري والمعرفي فحسب إن هذا الاهتمام بات من ألزم ما يكون بالنسبة لنا في الوطن العربي بشكل خاص ان لم يكن لأبناء العالم الإسلامي بشكل عام. إن أصقاع وسط آسيا تضم 4 مناطق إيكولوجية من حيث أنماط البيئة المناخية والنباتية, وتغطيه الحشائش الاستبس الشاسعة ممتدة من منغوليا وفي كازاخستان وجنوبي سيبريا ثم هي تبسط غربا إلى أوكرانيا وتخوم أوروبا الشرقية والصحراء, تتخلل هذه المساحات من حشائش ومراعي الاستبس ثم تنداح رمالها إلى حدود غرب الصين حيث منطقة (تكلا مكان) التي تعني في لغة الأيغور المحلية (أرض التي يذهب ولا يعود) وإلى جانب خضرة الغطاء النباتي وصفرة الصحراء القاسية تكتنف المنطقة في آسيا الوسطى سلسلة جبال تربطها بتخوم إيران وشبه القارة الهندية وهضبة التبت وأعلاها جبال البامير وبفضل هذا المتنوع الأيكولوجي البيئوي تشمل أراضي وسط آسيا الوسطى السوفييتية سابقا شعوبا وأقواما شتى ما بين رعاة القرغيز وأبناء عمدتهم من الكزخ وأقرانهم من الأوزبك الذين تحولوا إلى الزراعة (كانوا متخصصين في إنتاج القطن إبان الحقبة السوفييتية) على أن المغول أو التتار ظلوا في حال من الهيمنة على مقاليد المنطقة بفضل (اكتشافهم) للحصان وقدراتهم غير المسبوقة تاريخيا في اكتساب مهارات الفروسية والحرب والإغارة مما أدى إلى نوع من الحراك والاتصال الدينامي على صعيد المنطقة بأسرها وهو ما أفضى بدوره إلى ضروب من التفاعل السلوكي والمعرفي والعقيدي بين ساكنيها الذين وصلوا إلى مستوى معقول من الحضارة والاستقرار بل والازدهار بفضل ما أدركوه من كون موقع مناطقهم على الطريق البري من أوروبا إلى الشرق الأقصى ومن ثم أشرفوا على مسير ومصير تجارة ترانزيت ظلت مزدهرة عبر التاريخ فيما لا يزال يوصف باسم (طريق الحرير) . تنوع اللغات وقد أثري هذا التنوع البيئي والعرقي والثقافي بوجود عدد من اللغات التي تتكلمها شعوب آسيا الوسطى والتي تمت بصلات نسب لغوي مباشر لأهم لغتين على حدود المنطقة بالأدق عند مواقع التماس بينها وبين الشرق الأوسط وهما التركية والفارسية وكل من اللغتين تنتمي بدورها إلى عائلة اللغات الهندو ـ أوروبية وجدها الأعلى هو اللغة السفسكريتنية في الهند القديمة وهي العائلة التي لها قرابة مباشرة وغير مباشرة مع اللغات المحلية في أوروبا المعاصرة وعلى رأسها ـ بداهة ـ اللغة الإنجليزية. وجاء عقد التسعينيات جاء فاتح التسعينيات ليشهد دلالة تلك الكيانات السياسية أو بالأدق ليشهد انبعاثها من جديد.. ورغم كثرة الآمال العراض التي عقدت على هذه الكيانات سواء من جانب الحادبين عليها أو المتربصين لاستغلال ثرواتها وإمكاناتها, فقد جاءت أواخر عقد التسعينيات نفسه كما يقول الباحث بوريس رومر الأستاذ في مركز الدراسات الروسية بجامعة هارفارد الأمريكية لتشهد ظاهرة سلبية حاقت بتلك الجمهوريات الآسيوية الخمس المولودة ـ كما أسلفنا ـ من جديد. كانت ظاهرة مزدوجة تمثلت في ما يلي: تدهور الأحوال الاجتماعية والاقتصادية تصاعد التوتر بين دول المنطقة المذكورة لقد شهدت سنوات الفترة 1991 ـ 1998 انخفاضا في الأداء الاقتصادي في معظم الجمهوريات الآسيوية الخمس وركودا في أوزبكستان بالذات وزاد من وطأة هذه المشاكل الاقتصادية استمرار تزايد السكان الذي بلغ أقصاه (معدل 5.2 في المائة سنويا) في بلد مثل طاجيكستان ظل يعاني طوال سنوات العقد التسعيني من ويلات الحرب والصراع العسكري المتواصل. وكان من الطبيعي أن ينجم عن تدهور الأداء الاقتصادي مما أدى بدوره كما تقول الدراسات التي نحيل إليها (منشورة في مجلة هارفارد ريفيو للشئون الدولية ـ عدد الربيع عام 2000) إلى وقوع معظم سكان وسط آسيا في ربقة الفقر المطلق وهو ما يعانيه حاليا ـ حسب الدراسات ـ 70 بل و80 في المائة من سكان كازاخستان وقرغيزستان. بل يمكن القول أن نحو 95 في المائة من سكان طاجيكستان باتوا يعيشون تحت خط الفقر وخاصة في مناطق الأرياض والبوادي. وقد تبدى التدهور في القطاع الاجتماعي في تدني الخدمات التي كان يكفلها في السابق الاتحاد السوفييتي في مجالات الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي. وصفات الصندوق المدمرة ثم جاءت الوصفات الاقتصادية التي (بشر) بها صندوق النقد الدولي لتزيد الأمر سوءا وتفاقما. وفي هذا الصدد تقول دراسة هارفارد بالأحرف: لسوء الحظ فإن إمكانية مكافحة هذه الاتجاهات السلبية المؤثرة على حياة السكان في جمهوريات آسيا الوسطى أصبحت أبعد منالا بسبب الوصفة المتكررة التي روج لها صندوق النقد الدولي ودعت تلك الدول إلى ما أسماه (إصلاح الاقتصاد الكلي) بخفض الطلب من خلال استقطاعات في الميزانية القومية وكان لهذا معنى واحد فقط هو تخفيض الاعتمادات المخصصة لتزويد السكان ـ وخاصة الفقراء ـ بالخدمات الاجتماعية (والصحية) الأساسية.. وكان شأن ذلك أن ظلت 8 سنوات منذ الاستقلال عام 1991 وبعدها تشهد تدهورا في حياة الناس إلى مستويات تدنو بكثير عما كانت عليه خلال الحقبة السوفييتية. أما الشعارات التي رفعها القادة والزعماء هناك فكانت صياغات بلاغية جوفاء حول ما أسموه الإصلاح والتحرير الاقتصادي وأن كان يحمد لهؤلاء الزعماء في معظمهم أن حالوا دون انفجار صراعات عرقية ونزاعات عنصرية وحروب أهلية بين مختلف الشعوب والعشائر والأعراق التي تسكن منطقة آسيا الوسطى, ومع ذلك يبقى السؤال مطروحا: إلى أي حد يمكن إدامة ذلك النوع من الاستقرار الذي يخيم على وسط آسيا حاليا؟ إن دراسة هارفارد تشكك في إمكانية استمرار هذا الاستقرار النسبي, وخاصة في ضوء ما شهدته الفترة القريبة الماضية من أحداث خطيرة منها مثلا الانفجارات التي اجتاحت طشقند في فبراير 1999 ثم غارات عناصر الميليشيا من قرغيزستان على حدود أوزبكستان في صيف العام المذكور. حلم الوحدة عندنا وعندهم ويخيل للباحث العربي أن ثمة منظورا مشتركا بين الدول العربية وبين جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية في معظمها كما قدمنا. وهذا المنظور المشترك يتمثل في حلم الوحدة بين الأطراف بعد حصولها على الاستقلال وبناء كياناتها السياسية كدول ونظم وحكومات. كم راودنا حلم الوحدة بعد حصول أقطارنا العربية على الاستقلال أثر غروب حقبة الامبريالية الأوروبية.. منذ الخمسينيات وبالمقياس نفسه, كم راود حلم الوحدة جمهوريات آسيا الوسطى منذ التسعينيات بعد تخلصها من النير السوفييتي وخروجها من عزلتها التي دامت طوال القرن العشرين ومثلما كان هناك أطراف عربية طرحت شعار الوحدة أولا باعتبارها الطريق الموصل إلى العدل الاجتماعي وإلى حرية الوطن والمواطن, فقد كان هناك من المحللين السياسيين ومن القيادات والزعامات في آسيا الوسطى من تصور أن تحقيق وحدة ما بين الجمهوريات الخمس كفيل باستتباب الاستقرار ودفع عجلة التنمية والتكامل الاقتصادي في المنطقة. أسس الوحدة في آسيا وفي ضوء المنظور المشترك نفسه, كان حلم مشروع الوحدة في وسط آسيا يقوم على أسس لا يستهان بها ومنها كما توضح دراسة جامعة هارفارد: إنها تشترك في العقيدة الإسلامية السائدة وفي اللغة ذات الأصل التركي (باستثناء طاجيكستان) وفي وحدة الأراضي وتكامل أقاليمها وفي هياكل ومرافق أساسية متقاربة إن لم تكن متجانسة من أيام العهود السوفيتيية بل وفي قيادات وزعامات متماثلة تتألف من نخب من العناصر التي اكتسبت الطابع الروسي (تروسنت على حد تعبير البروفيسور بوريس رومر) وباتت تشكل الشرائح العليا من البيروقراطيات الحاكمة. لكن هذه الأحلام الوحدوية ما لبثت أن انزوت إلى عالم النسيان فلم تصلح الوحدة الثقافية ولا العقيدية لبناء كيان سياسي عصري صامد وقادر على إدارة الصراعات أو التفاعلات في دنيا العولمة المعاصرة. كما أن حدود الدول أو تكامل أقاليمها لم تكن أوضاعا مستندة إلى ميراث تاريخي بل إلى أسس سياسية مستحدثة جاءت مع الهيمنة الروسية وربما ضاعت معها. بل إن هذا التقارب الذي اصطنعته موسكو في زمان سلطانها ـ شأنها في ذلك شأن أي قوة امبريالية (راجع تجربة انجلترا في أفريقيا مثلا) عمدت معه العاصمة السوفييتية المتروبول إلى أن تتداخل فيه الحدود مع الواقع القبلي مع الأسس العرقية بحيث تكون عاصمة الاستعمار والهيمنة سابقا هي ضابط الإيقاع الوحيد أو المرجعية الوحيدة إذا ما اشتبكت الخلافات حول هذا كله.. ولقد بلغ الأمر الحد الذي أصبحت فيه منطقة آسيا الوسطى بجمهورياتها الخمس رقعة شطرنج شديدة التداخل من حيث تعقيد المنازعات والصراعات الأثنية والقبلية والإقليمية, ناهيك عن الصراع على الموارد الطبيعية الحيوية وفي مقدمتها المياه والأراضي وهو ما تعلق عليه دراسة جامعة هارفارد حين تقول: إن عباءة الديانة المشتركة واللغة المشتركة كانت تغطي أو تستر الانقسامات الإقليمية العميقة والتوترات العرقية الخطيرة والنزاعات المهددة بالتفجر والاندلاع بين عشائر المنطقة وقبائلها. كانت قد ولدت ونشأت وتطورت نخب حاكمة شيدت النظم السياسية الخاصة بها ووطدت دعائم نفوذها وسلطات زعمائها وأصبح لها مصالح في كل واحدة من تلك الجمهوريات تتوخى تحقيقها في المجالات السياسية والاقتصادية وغيرها. وقد تم هذا كله خلال سنوات الحقبة السوفييتية حين كانت الجمهوريات الآسيوية الخمس تتفيأ ظلال الكرملين ان صح التعبير وحين كانت تنشب بينها الخلافات وتهدد العداوات والانقسامات بالتفجر, كانت موسكو تلعب, ولا غرو دور الحكم (بفتح الحاء) ولها القول الفصل شأن أي قاض يحكم بين المتخاصمين. وعندما انهدم المعبد البلشفي واطفئت أضواء الكرملين السوفييتي في عهد جورباتشوف.. بدأت الخلافات بل والتناقضات تطل برأسها من جديد في منطقة آسيا الوسطى, وخاصة عندما بدأ الحديث يرتفع إلى حد الصخب الدعائي وخاصة في أوروبا وأمريكا عن الإمكانات الاقتصادية (الهائلة) التي تبشر بها وتنطوي عليها جمهوريات آسيا الوسطى من حيث الموارد (البترول والغاز الطبيعي بالذات) ومن حيث اتساع السوق. كتل سياسية وليدة ثم استجدت عوامل سياسية زادت تبديد الحلم ـ المشروع الوحدوي بين الجمهوريات الآسيوية المذكورة وقد تجسدت هذه العوامل في إعلان تشكيل كتلتين سياسيتين يقصد بهما وراثة التركة السوفييتية. الكتلة الأولى: وتحمل اسم رابطة (كومنولث) الدول المستقلة وتضم روسيا وبيلاروس (روسيا البيضاء) وأرمينيا وكازخستان وقرغيزستان وطاجيكستان. الكتلة الثانية: وتحمل اسما غير مطروق إلى حد ما وهو (جووآم) وتضم جورجيا وأوكرانيا وأوزبكستان وأذربيجان ومولدوفا. وهكذا حدث تكريس لانقسام عميق وخطير في منطقة آسيا الإسلامية الوسطى بعد أن أصبحت كل من كازاخستان وأوزبكستان وهما أكبر وأهم الكيانات السياسية في المنطقة منضمة إلى كتلتين تقف كل منهما في مواجهة إزاء الأخرى. ثمة غزل في كل حال يتم بين دول التحالف الغربي وعلى رأسها أمريكا وبين جمهوريات وسط آسيا. ولا بأس أن يدخل في غمار هذا الغزل أو فلنقل هذا التفاعل أو التواصل الأطراف العربية مزودة بعنصر (المشترك الإسلامي) مع تلك الدول وهو عنصر حاكم ومهم ولا يستهان به على الإطلاق. ولا يزال هذا العنصر الإسلامي في ثقافة وتشكيل تلك الجمهوريات بحاجة إلى فهم بمزيد من دقة وتفصيل فإلى الجزء الأخير من هذا المبحث إن شاء الله. كاتب سياسي مصري