هناك مظاهر عديدة في حياتنا المعاصرة, بمختلف اوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية وغيرها, يجرى فيها اتخاذ مواقف ذات شكل خارجي آخاذ ولماع وغاية في الجمال والنقاء, دون ان يترافق هذا بأي مضمون فعلي على الاطلاق, بل ربما يكون هذا المضمون معاكسا ومناقضا للشكل, وهذه لعبة خطيرة للغاية تنطوي على الكثير من المكر والدهاء ويتم تحت غطائها خداع الناس وتضليل الشعوب. كما تؤدي الى الاضرار بالمصالح وارباك العقل والتشويش على الحقيقة, واحيانا نسفها من اساسها, وقلب الامور كلها رأسا على عقب, وهناك امثلة عديدة جدا تندرج ضمن هذه اللعبة الخبيثة والغير أخلاقية, وسنورد هنا بعضا من هذه الامثلة: ففي بعض بلدان العالم الثالث, كثيرا ما تجري انتخابات لا معنى لها ولا مغزى, على الاطلاق, ومضمونها الوحيد هو اقتراع واوراق انتخابية وصناديق وناخبون وهميون, فالامر كله لايعدو كونه اكثر من مسرحية يتم عرضها على الملأ, وفي وضح النهار, دون ان يجرؤ أحد على البوح بأنها مسرحية وليست انتخابات. وهناك نموذج منها ينطوي على اعلى درجات المكر والخديعة, ويحدث هذا عندما تعلن الدولة عن انتخابات من اجل مجلس ادارة احدى المؤسسات, فيتقدم لها ألف مرشح, وتوافق الدولة على خمسين فقط منهم, مثلا, ولا تسمح للباقين بترشيح انفسهم باي شكل من الاشكال, لانهم لايروقون لها, ثم تطلب من العاملين في المؤسسة ان ينتخبوا سبعة اعضاء من بين الخمسين. ويجري الانتخاب بالفعل في جو كامل من الحرية الظاهرية وفي ظل توافر جميع شروط الشرعية الشكلية, والامر هنا ينطوي على خدعة ديمقراطية من الطراز الاول. فصحيح ان العاملين في المؤسسة قد اختاروا سبعة اعضاء لمجلس ادارتها بالانتخاب, الا ان هؤلاء هم قسم من الخمسين مرشحا الذين اختارتهم الدولة بوصفهم من الدائرين في فلكها والمسبحين بحمدها. فاذا نظرنا في الشكل الخارجي نجد انه شرعي ولا تشوبه شائبة لان موظفي المؤسسة هم بالفعل الذين انتخبوا اعضاء مجلس ادارتها واذا دققنا في المضمون العميق, يتبين لنا ان الدولة في الحقيقة هي التي انتخبتهم لانها لم تسمح الا لهم ولثلاثة واربعين آخرين بترشيح انفسهم, لعبة ماهرة للغاية.. أليس كذلك؟ ومن الامثلة الاخرى, ما يحدث عندما تلجأ بعض الدول الى تحسين رواتب اصحاب الدخل المحدود لديها, وفي الوقت نفسه ترفع اسعار الكثير من السلع. ففي هذه الحالة لايكتسب رفع الاجور اي معنى او مضمون لان زيادة الاسعار تمتص الاخضر واليابس وتترك جيوب الموظفين خاوية وتحولها الى ارض يباب, كما كانت قبل تحسين الاجور, وفي بعض الاحيان, يحدث ماهو انكى من هذا, اذ نجد ان نسبة ارتفاع الاسعار تزيد كثيرا على معدل تحسين الرواتب. وبذلك يكون هناك في الظاهر رفع للاجور, وفي الواقع تخفيض لها, لعبة ماهرة ايضا. أليس كذلك؟ وسنسوق الآن مثالا ثالثا: فقد تتظاهر احدى الدول المتخلفة بانها تمارس الديمقراطية فتسمح لبعض الدوريات الخاصة بالصدور الى جانب الصحف الرسمية. فيبدو هذا وكأنه مظهر من مظاهر المجتمع المدني وعندما ندقق في الامر نجد ان الدولة هي التي تمول هذه الصحف وتختار كادرها التحريري من الموالين لها, فلا يبقى هناك اي فرق بينها وبين الصحف الرسمية من الناحية العملية. ان مثل هذه الدوريات (الخاصة) بالاسم, لاتنشر الا ما يتفق مع خط الدولة ويساير توجهاتها فتخدم بذلك اهداف السلطة وسياساتها تحت غطاء كونها صحافة مستقلة, والامر نفسه ينطبق على الاتحادات والنقابات الصورية التي تعين لها الدولة مسئولين من اتباعها وازلامها, فمثل هذه المؤسسات تتظاهر بخدمة مصالح الفئات التي تتبعها كالاطباء والمهندسين والكتاب والمحامين والعمال والمزارعين وارباب المهن المختلفة, وتدعي القيام بدور المدافع الامين عن حقوقها, ولكنها في حقيقة الامر انما تنفذ اوامر الدولة وتسير في ركابها وتحقق اهدافها, أليست هذه حيلة خبيثة اخرى؟! ونستطيع ان ندخل ضمن لعبة التفريغ من المضمون, التصريحات النارية والملتهبة التي يطلقها بعض الزعماء حول قضايا وطنية حساسة, فيدعون بحماس مفرط الى ابادة الاعداء عن بكرة ابيهم, والى افشال جميع المخططات الاجنبية التي تحاك ضد العرب, والى تحقيق الوحدة العربية في اسرع وقت ممكن, والى عدم التفريط بالحقوق العربية المشروعة.. الخ. وعندما ننظر الى الارض نجد ان هؤلاء لايفعلون اي شيء على الصعيد القومي, ولا ينفذون حرفا واحدا مما يقولون وهنا نجد ان الشكل الخارجي في هذه اللعبة هو الوطنية والقومية والتمسك بالمصلحة العامة, والوقوف بصلابة امام الاعداء اما المضمون الداخلي فهو لاشيء على الاطلاق والمسألة كلها ليست اكثر من كلام بكلام للتغطية على التقصير والتقاعس. كانت هذه امثلة قليلة عما تمارسه بعض الدول في العالم الثالث للتمويه على الحقيقة وخداع الشعوب, ودهن ممارساتها السلبية الخبيثة بمكياج ايجابي وطلاء مقبول, حتى تهون من انحرافاتها, وتظهر بمظهر الشرعية, عن طريق دس السم في الدسم والعلقم في العسل. كاتب سوري