التقى بها في قلب شارع الشانزليزيه حيث الحياة والحيوية في العاصمة الفرنسية باريس قطعة من الزبدة أو قطرة من قشطة سمها ما شئت. ابتسامة كابتسامة الرضيع, نسمة من نسمات الربيع, صفها كما تريد, ممشوقة القوام, مشرقة الوجه, متوردة الخدود, حددها وفق خيالك. هو شاب متدين, ملامح الإيمان بادية على الوجه, كثيف اللحية, يطأطأ رأسه حياء, يتحدث في همس.. أرسلت سهما من عينيها إلى عينيه لم تقل شيئا في اشارة خفية, طلبت منه قبول دعوتها على فنجان شاي في أحد المقاهي التي تمتلئ بها ساحة الميدان.. تردد.. تمتم في سره, استعاذ بالله من الشيطان.. لم يعرف سر الدعوة.. إنها أول سابقة خلال تواجده منذ أن وطأت قدماه أرض الفرنج, منذ أن غادر بلاده بحثا عن علم, أدى رسالته, وبحثا عن عمل وجد فيه ضالته.. لم يتلق دعوة من قبل, وان تلقاها كان يرفضها. لان هدفه كان العلم أولا.. ثم العمل ثانيا, مع عدم تقديم أية تنازلات, أو الانزلاق في طريق الهفوات, أو السياحة في بحر الظلمات.. هو يدرك تماما ان القابض على دينه كالقابض على الجمر.. فكيف الحال وهو في بلد كل شيء فيه مباح؟ حدثته نفسه أن يرفض دعوتها, غالب هواه, تردد.. لكن إلحاحها كان أكبر, اقتربت منه تصبب عرقا.. التفت يمنة ويسرة وجد نفسه بلا مقاومة يجلس أمامها.. حدجته بنظرة أطارت رباطة جأشه, همست إليه.. قالت له لماذا التردد؟ قال لها ولماذا أنا؟ قالت: لقد أعجبتني رغم انك تمثل العصور الوسطى هيئة وهيبة! أنت من الجن أم من الإنس, ماذا تريدين مني؟ أريد أن أدعوك للحياة, انني قانع بحياتي فهي طوق نجاتي من الآن وحتى موعد مماتي, أين هي الحياة التي تتحدث عنها, ابتعادك عن الناس أم موات الإحساس؟ عاهدت الله ونفسي أن أعيش في النور! ومن دعاك إلى الظلام؟ همساتك التي تكشف عن نزواتك! وماذا تريدني أن أفعل؟ أن تعودي إلى طريق النور! سأعود ولكن كيف؟ على سنة الله ورسوله! ماذا؟ نتزوج! من أول جلسة ودون أن نتعرف على بعضنا تريد أن تضعني في سجن الزواج؟ نعم! ومتى سيكون ذلك؟ قريبا جدا, أنا ذاهب الآن, إلى اللقاء! إلى أين؟ سوف أغادر إلى نيويورك, لماذا؟ وجدت فرصة للعمل هناك, هل تأتي معي؟ سوف نتزوج ونستقر هناك. لكن لدي شرط..! ما هو؟ أن تتغيري شكلا وموضوعا! كيف؟ أن تستعيدي أنوثتك.. أن تكوني عربية التقاليد والزي! لأ.. لأ.. أرفض فرض الشروط, أعطني فرصة لأفكر, أعطني العنوان سوف ألحق بك هناك, استقر ثم أبعث لي, سوف آتيك هناك, وإن لم تتغيري ماذا أفعل؟ لا تستبق الأحداث! وافترقا.. ومرت الأيام سافر هو إلى نيويورك, واختفت هي في طرقات المدينة الباريسية تحدث نفسها عن الصدفة, وعن المستقبل وعن القرار الآتي وعن المجهول.. وبعد أشهر وصلتها رسالته.. احضري بسرعة أنا جاهز, أتحرق شوقا لرؤيتك, برودة منزلي في حاجة لدفئك! سافرت في لهفة وشوق.. هبطت أرض المطار, تطلعت في الوجوه.. واثقة انها ستجده, ستعرفه بين آلاف الوجوه المنتظرة, بقامته المديدة وجلبابه القصير ولحيته الكثيفة, وهو كان واثقا انه سيعرفها بفستانها القصير, بشعرها المسدل على كتفيها, بابتسامتها الساحرة, بنظراتها الماكرة. ولكن هي لم تكن هي, فقد تبدلت الملامح, وتغيرت الصورة, جاءته في عباءة سوداء تغطي الرأس وتحجب العينين وتتدلى حتى أخمص القدمين, هو كان يلبس بنطالا من الجينز الأزرق مع تي شيرت أبيض, بلا لحية والشعر المسدل على الكتفين جعله مختلف الشكل والهيئة. أخذ يشرئب بعنقه ليبحث عنها, أخذت هي من وراء الحجاب تبحث عنه.. هي تغيرت لما يريد, هو تغير ضد ما يريد.. الاثنان ضاعا في الزحام.. وعز وقتها الكلام, هي كسبت نفسها باعادة صياغة حياتها نحو الأحسن, هو خسر حياته بدخوله في الأسوأ.. وانتهت القصة في ثوانٍ كما بدأت في ثوانٍ. أصبح قابضا على دنياه, كانت تريد أن تقبض معه على دينها, لكنهما ضاعا في الزحام ولم يقبضا سوى الريح! تاج السر أبو سوار