وطني لو شُغِلْتُ بالخُلد عَنْهُ نازعتني إليه في الخلد نفسي هذا بيت شهير لأحمد شوقي أمير الشعراء في زمانه على حد مبايعة حافظ إبراهيم له, وان اعترض كثير من الشعراء الذين لا يرون للشعر امارة, والمهم ان هذا البيت الشهير على ما فيه من مبالغة واضحة صوّر بها الشاعر حب الوطن, إلا انها مبالغة القصد منها حتماً لفت النظر إلى مدى تعلق الروح بالوطن, ولما كان ذلك الأمر معتادا معروفا عند أكثر الناس لا يمارون فيه ولا يختلفون فقد أراد الشاعر بعبقريته غير العادية ان يطرق هذا المعنى المعتاد عند الناس والشعراء من قبله فقلب ذلك المعنى يمنة ويسرة فلم يجد إليه مدخلا جديدا إلا أن يبالغ تلك المبالغة التي لعلها لا تطرأ على بال كثير من الشعراء سواه إما بسبب الخوف من الوقوع في الحرج الديني وإما خوفا من الاتهام بالمبالغة والكذب اللذين طالما رمي بهما الشعراء لفهمٍ ما أكثر ما جاء خاطئا للآية الكريمة التي تصفهم في سورة الشعراء بأنهم يقولون ما لا يفعلون. لكن شوقي ترك كل تلك المخاوف وراءه ونظر إلى المعنى بمنظار شاعر غير عادي بل شاعر يعلم كثيرا عن النفس الإنسانية العجيبة التي لا يمكن استلابها وإثارة اعجابها إلا بغير المطروق والمعقول, وإلا فإن شوقي رجل مسلم غير عامد إلى ما يتحرج منه المسلمون من مقدسات ومبجلات من رموز دينية كالجنة والنار إلا انه أراد بمبالغته تلك أن يصل إلى ما عجز عنه سواه من معنى يفيد تعلق الروح بالوطن فلم يجد ما يقارن به إلا الجنة لما علمه من توق الروح الإنسانية وليس المسلمة وحدها إلى الخلود والنعيم المقيم ذلك الذي يسميه المؤمنون الجنة ويسميه الملحدون السعادة الأبدية, فإن هذه السعادة وتلك الجنة هي مطمح البشرية التي هي مرمى نظرهم ومبلغ آمالهم فما بالك بإنسان أدرك جنته أو بلغ منتهى سعادته أيتركها لسواها؟ الجواب عندنا احتمال, أما عند شوقي فالأمر محتمل لا لحقيقة يعلمها هي أغلى عند الإنسان من الجنة والسعادة ولكن لغاية يريدها شوقي لا تتم إلا بتلك المبالغة وتلك الغاية هي بيان مدى تعلق الروح الشاعرة بوطنها وان تلك المبالغة فعلت فعلها حقا في النفوس فخلدت ذلك البيت حتى شاع بين الناس فحفظوه ولو ان شوقي قال ذلك البيت بغير ذكر الخلد ومنازعة نفسه له فيها إلى وطنه لما قال جديدا. وفي ذلك المعنى اشارة لعله لا يلتفت إليها كثير من الناس وهو ان شوقي افترض حالة شعورية لم يعشها زادت في مدى الالتفات إلى هذا البيت ومعناه, والاثارة هي ان شوقي وضع احتمالا يقارن به حب الوطن وهو احتمال العيش في الجنة ذلك الاحتمال الذي يزيد من بلاغة المعنى المراد في البيت لانه احتمال غير وارد أبدا بل غير مجرب أبدا فهو تجربة لم يعشها أي إنسان بعد لأن الجنة غيب لا يدري مداه أحد بعد وهو ما يزيد في شد الانتباه إلى حب الوطن لانه لا يقبل المقارنة ليس بما نعرفه بل حتى بما لا نعرفه ولا يخطر على قلب بشر وهو الجنة وفي ذلك جمال يشفع لشوقي في حال معاتبته على قوله تدينا. ولكن أي وطن هذا الذي لا يستغنى عنه بالجنة ولا يعوض, وأي مواطن هذا الذي تنازعه إلى الوطن نفسه حتى ولو كان في الجنة. لا شك انه ليس مواطنا عاديا لابد انه مواطن تشربت روحه هذا الوطن عاش فيه أجداده وماتوا, وولد هو فيه ليس فقط ولادة بيولوجية لا تختلف عن ولادة أي حيوان حي بل ولادة مزج بعدها بتراب هذا الوطن حتى لم يبق شك انه وهذا الوطن واحد, كيف لإنسان أن يكون كذلك إذا لم ينمُ في تراب بلده كما تنمو الحبة تخرج من الطين وتمتد ساقا وفروعا وتزهر وتثمر وتورق ثم تمتد ظلا على ذلك التراب الذي طالما احتضنها عن حر الصيف وبرد الشتاء وهكذا يتحول الأخذ إلى عطاء بعد أن كان أخذا ولا عطاء. ولا أظن ان مثل ذلك التمازج بين الوطن والمواطن يكون في نفس من لا يعرف من الوطن إلا رخصة تجارية يبيعها غير مهتم بما يبيع, أو قطعة أرض يتنازل عنها لأي غريب مهاجر حتى أضحت الأوطان والفتى العربي فيها تماما كما وصفه أبو الطيب: ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان * * * ولا أظن تلك المواطنة تتحقق في ذات من لا يعرف من الوطن إلا دفترا أزرق اللون أو أحمر يحمله ورقة تجارية يبيع بها ويسافر وينتقل ويبيع به تأشيرات عمل وهو لا يعرف من المواطن أكثر من ذلك فإذا سألته عن هويته قال (أنا مواتن) .