رسم معالم (الدولة الفلسطينية) على الورق شيء.. وتجسيد هذه المعالم فعليا على الأرض شيء مختلف تماما. وإذا كان هذا القول من المسلمات البدهية وليس اكتشافا عبقريا فذا فإن من المستغرب, ألا ترد هذه البدهية البسيطة على أذهان أعضاء (المجلس المركزي الفلسطيني) في اجتماعهم الأخير الذين سطروا فيه على الورق بنودا لشكل الدولة الفلسطينية المستقبلية كالدستور والحدود الجغرافية لكن دون تقرير الوسائل العملية الكفيلة بتحويل الرسم الورقي إلى كيان ملموس. أم هل تحاشى المجلس المركزي مسألة (الوسائل) عمدا؟ لقد قرر المجلس تأجيل (اعلان الدولة) متجاوزا تاريخ 13 سبتمبر.. ذلك الموعد الذي قطعه الرئيس عرفات على نفسه علنا. على ان قرار التأجيل لم يفاجئ أحدا فهو قرار اتخذه عرفات سلفا بصورة عملية.. فلم يتبق سوى الاجراء الشكلي لاجازته بواسطة مجلس مركزي غير منتخب أصلا. فما هي الخطوة التالية؟ إن على الرئيس عرفات أن يقرر بعد الآن ما إذا كان مشروع (الدولة الفلسطينية) هو قضية الشعب الفلسطيني حقا أم قضية التحالف الاسرائيلي الأمريكي قبل أن يشرع في التفكير في الخطوة التالية. فالثابت الآن ان ما حفز عرفات على تأجيل اعلان الدولة هو رفض اسرائيلي صلب مدعوم بضغوط أمريكية عالمية النطاق. لقد طاف الرئيس الفلسطيني حول العالم للترويج لمشروع اعلان الدولة واستقطاب دعم دولي له.. وفي كل عاصمة حل بها كان يلقى معارضة ونصحا في آن معا: معارضة لأية خطوة فلسطينية أحادية باعلان قيام الدولة من جانب واحد.. ونصح بأن يتشاور عرفات في الأمر مع الخصم الاسرائيلي و(الوسيط) الأمريكي. والاستخلاص الذي لابد ان القائد الفلسطيني قد خرج به من هذه الجولة العالمية الواسعة هو ان الدول ليست في وارد المخاطرة بعلاقاتها ومصالحها مع دولة عظمى.. بل ومع اسرائيل بالنسبة إلى بعض الدول.. من أجل استرضاء سلطة فلسطينية لم تملك بعد أدوات التأثير على الساحة الدولية. هذا استخلاص أولي رغم أهميته.. وبدوره يجب أن يفضي إلى استخلاص آخر أعظم شأنا وأهمية.. وهو ان القوة الوحيدة التي يمكن المراهنة عليها لتحقيق الحلم الفلسطيني هي الشعب الفلسطيني نفسه. منذ أوسلو في عام 1993 سار القائد الفلسطيني على طريق كفاحي طويل مستبعدا عبر المشوار هيئة الأمم المتحدة.. ومستبعدا مجموعة الدول العربية ومجموعة الدول الإسلامية. وفي الوقت نفسه استبعد كل القوى الشعبية الفلسطينية بتوجهاتها المتعددة, من قومية وماركسية وإسلامية. كما استبعد (الميثاق الوطني) الفلسطيني لانه ينص فيما ينص على (الكفاح المسلح) . وبعد هذه الاستبعادات لم يتبق أمام القائد الفلسطيني من خيار سوى المراهنة على (حسن نوايا) الخصم نفسه والقوة العظمى التي تقف وراءه باسم (الوسيط) . هل غريب إذن أن يكتشف عرفات ان الطريق الذي سلكه يفضي إلى لا شيء؟ من هنا وجب الاستخلاص النهائي. وهنا أيضا تصادفنا بدهية ثانية تتمثل في وجوب العودة إلى الشعب الفلسطيني, صاحب القضية الأصيل. ان سعي عرفات الدؤوب لحشد العالم بأسره وراء الحق الفلسطيني أمر محمود ومحبذ. لكن نجاح عرفات في هذا المسعى رهين بالحشد الفلسطيني أولا. ومشروع الحشد الوطني الفلسطيني يبدأ بفتح حوار مع القوى والمنظمات السياسية الفلسطينية بكل ألوان الطيف لتكوين جبهة شعبية عريضة. لو تحقق ذلك فإن القيادة الفلسطينية سوف تجد نفسها في موقف جديد يمكنها على أقل تقدير من توجيه المسار التفاوضي مع اسرائيل في اتجاه جديد.