سلطت محاكمة اليهود الايرانيين الذين ادينوا بالتجسس لحساب اسرائيل الاضواء على الطائفة اليهودية في ايران وعلاقتها باسرائيل والدول الاوروبية والولايات المتحدة واثر هذه العلاقة, على العلاقات الايرانية بالدول الغربية والموقف غير المباشر من اسرائيل, وفي الوقت نفسه فإن مواقف الدول الغربية واسرائيل من محاكمة اليهود الايرانيين ادت الى نوع من التضامن والوحدة السياسية بين المحافظين والاصلاحيين في ايران من خلال التأكيد على دور الجهاز القضائي في الحفاظ على المصالح العليا للبلاد في الداخل من خلال منع حدوث اضطرابات اجتماعية وطائفية وانشقاقات سياسية وفي الخارج من خلال اتباع سياسة متوازنة محسوبة بدقة تقوم على ندية المواقف المتبادلة من القضايا السياسية والايديولوجية والمصالح المتبادلة. يهود ايران تتفق الدراسات التاريخية على ان وجود اليهود في ايران يرجع الى نحو 2500 عام, اي الى عهد الملك الفارسي كوروش حيث يعتز اليهود بما صنع لهم كوروش فهو اول من سمح لهم بالهجرة المضادة اي بالعودة الى القدس بعد سبيهم على يد البابليين. وبالرغم من ان المؤرخين اليهود يدعون بأن الدولة الصفوية الشيعية شكلت قطيعة سياسية مع المرحلة السابقة بالنسبة ليهود ايران وحسبهم فإنه في العهد الصفوي تم ارغام اليهود على اعتناق الاسلام وبرزت ظاهرة اليهود المتخفين اي الذين اعتنقوا الدين الاسلام في الظاهر بينما ظلوا في الواقع على دينهم اليهودي الا ان الوقائع التاريخية تشير الى ان اليهود في ايران كانوا دوما على مسافة قريبة من مراكز السلطة ومواقع القوة وفي قلب الدورة الاقتصادية والتجارية, حيث استقر غالبيتهم في المدن الكبرى: طهران, اصفهان, شيراز, همدان وكرمنشاه ولهم شارع تجاري ضخم في قلب العاصمة طهران ويعمل معظمهم في التجارة وبرز في صفوفهم عدد من المليونيرات الذين يتحكمون بالدورة الاقتصادية في البلاد, ولعل الظاهرة الملفتة في تاريخ يهود ايران الى جانب محاولتهم تنظيم انفسهم في جمعيات ثقافية وفكرية وتعليمية بدعم وتوجيه من المنظمات والحركات الصهيونية في الغرب فإنهم اعتنقوا البهائية التي دعت الى اجماع اليهود في فلسطين عبر تنظيم الهجرة اليها من مختلف دول العالم, وقد شهدت البهائية انتشارا كبيرا في عهد القاجاريين بالرغم من دعوة رجال الدين الاسلامي الى طرد البهائيين من مراكز السلطة والقرار حيث وصف الامام الاكبر البروجردي دائرة البهائيين داخل اجهزة الحكم بـ (حظيرة القدس) . يهود ايران والصهيونية بالرغم من ان الدستور الايراني الذي صدر 1906 ـ 1907 نص على حق تنظيم اليهود انفسهم في تنظيمات وجمعيات وهيئات حملت اسماء ثقافية وفكرية وتعليمية مختلفة اشهرها مدارس (الاليانس) الا ان اليهود ظلوا على تنظيماتهم السرية المرتبطة بنشاط الحركات الصهيونية في الخارج وبرز ذلك بشكل جلي في الهجرة الجماعية الى فلسطين عام 1909 والى اسرائيل في الفترة الواقعة بين اعوام 1949 ـ 1952 وحسب الاحصائيات المتبانية فإن عدد يهود ايران الذين هاجروا الى اسرائىل حتى عام 1994 بلغ نحو 140 ألف يهودي وبرز منهم اسماء مهمة من امثال الجنرال شاؤول موفاز رئيس هيئة الاركان الحالي, ومع ان الثورة الاسلامية في ايران عام 1979 ادركت حساسية الاقلية اليهودية واشكالية علاقتها بايديولوجية الدولة اذ اعترف الدستور الايراني الذي صدر عقب قيام الثورة وعبر البنود 13 ـ 14ـ 15ـ 16 بحقوق الاقليات الدينية في ايران (اليهودية والمسيحية والزرادشتية) وذلك في محاولة سياسية تكفل من جهة حقوق الاقلية ومن جهة ثانية كي لا يتحول وجود الاقلية الى مشكلة دينية ـ سياسية في مواجهة الدولة والمجتمع. وبالرغم من هذه الرؤية الدولية فإن اسرائيل والمنظمات الصهيونية في الغرب دأبت على ادراج وضع الاقلية اليهودية في ايران كقضية دينية سياسية تتعرض للاضطهاد الديني على يد الايديولوجية الاسلامية للثورة الايرانية بل ذهبت بعض الدول الاوروبية والولايات المتحدة اثناء محاكمة اليهود الايرانيين الى اعتبار المحاكمة معيارا لعلاقاتها المستقبلية مع ايران, وقد طلبت اسرائىل من هذه الدول الضغط على طهران للافراج عن اليهود الذين كانوا يتجسسون لها على امن ايران وشعبها باسم الحرية الدينية في الوقت الذي تمارس اسرائيل فيه سياسة التهويد ضد الاماكن الاسلامية المقدسة في فلسطين. واحدثت وسائل الاعلام الغربية وخصوصا تلك التي يتحكم بها الصهاينة ضجة ارادت منها دفع يهود ايران اما الى الوقوف في وجه الدولة او الى الهجرة الى الخارج (اسرائىل), وقد حذر رؤساء الطائفة اليهودية في ايران من خطورة هذا الامر ومن الاخذ بالصورة التي تحاول وسائل الاعلام في الغرب تسويقها, الى صورة اليهود الذين يتعرضون للاضطهاد الديني في ايران في الوقت الذي يتمتعون باعتراف رسمي كاقلية دينية وتسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية (هناك خمسة كنس يهودية في طهران وحدها) وهم ممثلون في مجلس الشورى ولهم صحفهم ومجلاتهم التي تهتم بشئونهم داخل المجتمع الايراني. يمكن القول ان الاحكام المخففة التي صدرت بحق اليهود الذين تجسسوا لحساب اسرائيل تؤكد الرؤية الدقيقة للقيادة الايرانية من حساسية الاقلية اليهودية في ايران في ان لا تتحول الى مشكلة تزيد من انقسامات الداخل الايراني من جهة ومن جهة اخرى ان لا تتحول الى معيار كما تريده اسرائيل والمنظمات الصهيونية في مسألة تحسين العلاقات الايرانية بالدول الاوروبية وحتى الولايات المتحدة, وعليه هل يمكن القول ان ايران باحكامها المخففة نجحت في ارساء قانونية وسياسية واجتماعية تكفل للاقلية اليهودية عقائدها وعيشها السلمي داخل المجتمع الايراني دون ان تتحول الى مسألة سياسية تستخدمها اسرائيل والمنظمات الصهيونية للنيل من العالم الاسلامي؟ الجواب الى حد كبير نعم. كاتب سوري