اليوم الاربعاء هو يوم الثالث عشر من سبتمبر 2000 هذا اليوم يمر مثل باقي الايام, لا دولة فلسطينية قامت, ولا احتفالات ومواكب نصر ومسيرات استقلال في ميدان الجندي المجهول, بغزة (وهو ذلك المكان الذي خاطب فيه الرئيس ياسر عرفات جماهير شعبه مؤكدا لهم قيام الدولة في التاريخ المذكور). مر يوم الثالث عشر من سبتمبر بهدوء لا مواجهات مع الاحتلال او المستوطنات او قوات حرس الحدود الاسرائيلية التي تسيطر على حركة الدخول والخروج للأرض الفلسطينية, وبالتالي يستطيع اصحاب المصالح مع اسرائيل الذين كانوا يخشون من انقطاع العلاقات مع الدولة العبرية ان يناموا قريري الاعين لان شيئا لم يحصل! كما تستطيع عجائز فلسطين ان يعشن حياتهن كالمعتاد بعد الثالث عشر من سبتمبر لانني حينما كنت في غزة كنت اتعرض لوابل من اسئلة العجائز: هل الحرب ستندلع؟ وهل صحيح ان اليهود سيحتلون غزة مرة اخرى اذا اصر ابو عمار على اعلان الدولة؟ وهل تحصل هجرة اخرى لاولادنا الذين عادوا مع قيام السلطة وقدوم منظمة التحرير؟ الى غير ذلك من الاسئلة المطعمة بالحيرة والقلق لدى كبار السن خاصة, باعتبارهم مخضرمين في معاصرة الحروب ومعايشة الاعتداءات الاسرائيلية والتأقلم مع الاحتلال, ذات مرة في اغسطس الماضي سألتني والدتي عما اذا كنت سأبقى في غزة حتى قدوم يوم 13 سبتمبر قلت لماذا هذا السؤال بالذات؟ اجابت: لانني بصراحة اخشى ان يعلن الفلسطينيون الدولة وترفض اسرائيل وتقوم بشن حرب جديدة علينا وارى انه من الافضل ان تسافر اذ لا يوجد مبرر لكي نموت جميعا! ضحكت طويلا وبصوت عال على هذا السيناريو الفطري الذي رسمته ام مشفوعة بعاطفة الامومة تجاه ابنها الذي تركها منذ 25 عاما ورحل الى بلاد الله الواسعة بحثا عن العلم والرزق والهواء الطلق. ثم قلت لها: اتعتقدين ان شيئا من هذا سيحدث؟ لا تقلقي, لن تحدث حرب ولا مواجهات ولا حتى شتائم على الحدود مثلما تفعل جاراتك في الحارة كلما (حك الكوز في الجرة) وهذا مثل شعبي يقال على الجيران الذين يتعاركون على اتفه الاسباب او اقلها اهمية! الدولة اذا قامت ستقوم باتفاق مع اسرائىل ولا تصدقي اكثر من هذا الكلام! لحظات مرت وشعرت ان ازمة والدتي انفرجت وكأن كابوسا كان يطاردها قد انقشع فجأة. * * * الدولة ليست امنية قد تتحقق او لا تتحقق بل هي استعداد مكثف وتتويج لعمل شاق وطويل يبدأ من بناء المؤسسات وسن القوانين والتشريعات التي تنظم كافة اوجه الحياة على ارض الدولة الناشئة والدولة هي استحقاق وطني للاستقلال وتكريس السيادة على الارض والبحر والجو, وهي القدرة على فرض اعتراف العالم بها ونيل احترامه وثقته لها والدولة ليست منحة تمنح من دولة اخرى سواء كانت كبيرة او صغيرة صديقة او عدوة وهي حق مكتسب لا يقبل المساومة, وهي احيانا امر واقع يفرضه الشعب والقيادة معا في لحظة تاريخية تعلن فيها نهاية الظلم والاحتلال وهي باختصار حصيلة تضحيات شعب ينزف ويعاني ويقدم الشهداء والاسرى والمشردين منذ اكثر من خمسين عاما. اذا نظرنا الى الحالة الفلسطينية نجدها شديدة الغرابة والمأساوية لان الشعب الفلسطيني صاحب الحق التاريخي في فلسطين ما زال غير قادر على نيل استقلاله وحريته في دولة مستقلة ذات سيادة على نسبة 20% من ارض فلسطين التاريخية ورغم أنه اعترف بحق اسرائىل في الوجود الا ان اسرائيل لم تعطه هذا الحق بعد, لانها تتصرف بمنطق القوة والاستعلاء العنصري ووجدت في الولايات المتحدة نصيرا لها بعدما نجحت في اخراجها من دور الوسيط النزيه في عملية التسوية المتأرجحة. رغم ان يوم 13 سبتمبر هو نهاية المرحلة الانتقالية التي اتفق عليها الفلسطينيون والاسرائيليون الا ان باراك يرفض ان يعترف بهذا الاتفاق. مع ان حزبه هو الذي صاغ ووقع الاتفاق المذكور مع السلطة الفلسطينية ومجرد الرفض عند باراك يعني عدم قبول اسرائيل بقيام الدولة الفلسطينية وعدم اعتراف الولايات المتحدة الامريكية بها. الجميع يعلمون ان باراك حينما يرفض لا احد يجرؤ على الكلام لا في اوروبا ولا في امريكا, وهذا ليس تمجيدا لرئيس الوزراء الاسرائىلي, فهو على المستوى الشخصي تلميذ فاشل في المدرسة حسب اعترفاته منذ ايام ولكنه منطق اليهود الذي يتحكم بالسياسة الدولية (ابو عمار) جال في 28 دولة خلال 25 يوما ولم يسمع كلمة تأييد واحدة لاعلان الدولة الفلسطينية لا من مسئول اوروبي او اسيوي او افريقي, الجميع نصحوه بالتريث والعودة الى طاولة التفاوض مع اسرائىل, حتى الذين اشفقوا على حال هذا الرجل الصابر (ابو عمار) اسدوا له النصائح بتأجيل اعلان الدولة بدلا من التسرع من منطلق ان في العجلة الندامة وفي التأني السلامة) ! لذلك لا يوجد مفر امام الفلسطينيين سوى الانتظار.. انتظار الدولة التي ستوافق عليها اسرائيل وترضى عنها الولايات المتحدة الامريكية وبالتالي من حقكم ان تتخيلوا مثلي شكل الدولة التي قد توافق عليها اسرائىل باعتبارها القوة المهيمنة التي تحتل الارض والمياه والاجواء الفلسطينية. ومن حقكم ان تتخيلوا معي المواصفات التي ستضعها اسرائىل للدولة الفلسطينية المقبلة.. والخوف كل الخوف ان توافق اسرائىل على نموذج (سورينام) او (جمهوريات الموز) وعندها يدخل الفلسطينيون في (حيص بيص) الاستقلال والسيادة الى ما لا نهاية. يجب الا نستغرب شيئا لان اسرائىل ما زالت تفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة (جناحي الدولة الفلسطينية) حتى الآن وتصر على هذا الفصل لحماية امن الاسرائيليين المزعوم وفي الضفة والقطاع زرعت 185 مستوطنة مدنية وعسكرية لتقطيع اوصال الاراضي الفلسطينية مثل بقع جلد النمر وعلى الحدود مع مصر والاردن اقامت المعابر التي تتحكم ليس فقط في البشر بل في نسمات الهواء التي قد تهب على داخل فلسطين, فالمعابر هي مجرد ثكنات عسكرية مجهزة الكترونيا لرد اي خطر على جيش الاحتلال! فإن كهرباء الفلسطينيين ومياههم تأتي من اسرائىل وكافة مستلزمات حياتهم اليومية من طحين ومواد غذائية ودوائية ومحروقات وخضار وفاكهة يتم استيرادها من اسرائىل.. واذا كانت ذات تصنيع اجنبي يتم استيرادها عبر الموانىء الاسرائىلية!! لذلك يجب الا نستغرب كيف مر يوم الثالث عشر من سبتمبر بهدوء مثل طيف خيال مر من هنا واحترق على رأي الشاعر الكبير (ادونيس) !! صحفي فلسطيني