مر على جريمة القتل هذه - إذا كانت فعلا جريمة قتل - أكثر من مئة عام ومع ذلك لم تنته إلى قرار. طبعا مات المتهمون جميعا وربما مات أحفادهم, لكن التحقيق مازال مستمرا, فالقتيل - إذا كان حقا قتيلا - رجل أثار الدنيا كلها فى النصف الأخير من القرن الماضى, وليس هناك من لم يسمع اسمه: جمال الدين الأفغاني. والأفغاني هو الذى أشعل الثورات الكثيرة فى العالم الإسلامى فى أكثر فترات الحكم العثمانى ضراوة. أتى إلى الدنيا كجذوة نار, ومات قبل أن يصل إلى سن الستين وقد شغل الدنيا كلها, ومازال يشغلها. ومازالت تصدر عنه الكتب, ومازال يختلف عليه الناس. وهو اما أعظم المسلمين فى عصره, أو داعية الثورة العربية والاسلامية, أو ماسونى عميل لكذا وكذا. ولكننا هنا لسنا مشغولين بتحقيق شفافية الأفغاني ومدى صدقه. بل نريد أن نعود إلى نهايته, وموته الغامض. فى عام 1892 كان الأفغاني أكبر اسم ثورى ومطرود من نصف البلاد التى مر بها. وأكبر تجارب طرده كانت من مصر وفارس. وكان يعيش فى المنفى الأوروبى, وفى النهاية فى لندن. فى تلك الفترة أتته الدعوة من السلطان عبدالحميد الثانى ليذهب إلى اسطنبول. وهى دعوة تبدو غريبة لأن عبدالحميد كان من أكثر سلاطين تركيا رجعية, وبالتأكيد كان سيكره أفكار الأفغاني الثورية. والتفسير البديهى لهذا أن السلطان كان يستدرج الأفغاني الى سجنه حتى يحد من مهاجمته لنظامه. وكان الأفغاني شديد الذكاء, ولا يغيب عنه هذا التفسير الذى أشرت إليه, ومع ذلك قبل دعوة السلطان وهذا أيضا شيء غريب. ربما كان تفسيره أن الدعوة كانت تحمل صفته. وكان الأفغاني طموحا جدا. فضلا عن انه كان فى المنفى منذ 13 عاما. هذا إذا لم نعتبر أن حياة الأفغاني كلها كانت منفى. ذهب أو لنقل عاد الافغاني الى اسطنبول فى عام 1892 وهو فى الرابعة والخمسين من عمره ليواجه أول ما يواجه ولطول عمره الباقى (أبوالهدى الصيادى) وهو رجل دين أفاق استطاع بدهائه أن يصل الى السلطان ويسيطر عليه ويقدم تجربة مشابهة لتجربة الجارة روسيا. والتى كان بطلها بعد ذلك بقليل رجل الدين الأفاق راسبوتين الذى أودى بالامبراطورية الروسية. وقيل ان سبب تعرف (أبوالهدى الصيادى) بالسلطان أنه أراد أن يبلغه كلاما أمره به الرسول عليه الصلاة والسلام. وكان مستحيلا أن يسمحوا له بمقابلة السلطان, فطلبوا منه أن يحكى ما يريد لوسيط لكنه رفض. وقال انه مطلوب أن يحدث السلطان نفسه. قالوا له أنت لا تعرف التركية والسلطان لا يعرف العربية, فكيف تتفاهمان؟ فغاب يومين وعاد ليقول ان الرسول علمه التركية. وربما كان يعرفها من طول اقامته فى اسطنبول. واستقبله السلطان. وكانت هذه هى نقطة تحول هائلة, فلقد صار الصيادى صاحب أكبر نفوذ فى الدولة العثمانية الشاسعة. وبعدئذ أراد أن يرهب السلطان نفسه فقال له ان تلاميذه بلغوا عشرة ملايين, وان بلاد العرب فى قبضته, وان الأولياء فى خدمته, والنبى فى معونته, وان ملوك الاسلام فى حاجة إليه ليتبركوا به! المهم أن الأفغاني بدأ يعانى آلام المرض فى عام 1897 أو قبله بقليل. والمتفق عليه أن هذا المرض كان آلاما فى الفم. وان كنت رأيت صورة للأفغاني فى مرضه أدهشتنى, فهو ملفوف بملاءة أو ما شابه, وهذا شأن المحموم لا شأن المصاب فى فمه. وإذا كان المرض فى الفم الا أن المختلف عليه هو تشخيصه. تقول احدى الروايات ان تلميذا من تلاميذ الأفغاني كان طبيب أسنان عراقيا اسمه (راجح) وعالج الأفغاني فكانت النتيجة تفاقم آلامه. وأن الطبيب سبب له سرطانا فى اللثة واللسان, مما أدخله فى مراحله الأخيرة, وان هذا الطبيب كان حزينا بعد موت الأفغاني, وظهرت عليه علامات الثراء. أى أن الشائعة تريد أن تقول ان طبيب الأسنان سبب للأفغاني السرطان مقابل المال. وأنه ندم على ذلك بعد موت الأفغاني. ورغم أن القصة كانت رائجة فى زمانها الا أنها لا تقف على قدمين الآن, فالسرطان مرض يكاد يكون مجهول الأسباب. فكيف يسببه طبيب أسنان مغمور فى نهاية القرن التاسع عشر؟. ولقد قال لى طبيب - والعهدة على الرواى - ان السرطان لا يمكن أن يصيب اللسان. واصابة الافغاني بالسرطان فى اللسان جزء من الحكايات الأخرى. المهم أن الأفغاني كان مصابا بالسرطان فى الفم. وهذا أمر لا يحتمل التأويل أو الشائعات, فلقد كان الرجل ملء السمع والبصر, وتحت عيون السفراء والمراسلين والجاليات الأجنبية والتلاميذ. وعند بداية المرض أو ربما قبله بقليل أراد الأفغاني الخروج من قفص السلطان, ولما كان ذلك مستحيلا, لجأ الأفغاني إلى بريطانيا لتخرجه من أسطنبول فى حمايتها. وأزعج هذا السلطان كثيرا فأرسل إلى الأفغاني يطلب منه ألا يعرضه لهذه المهانة ويسترضيه وكانت هذه بداية النهاية. ونصل إلى ظهور المرض, وأنه لابد من اجراء جراحة, وكان الأفغاني وبعض أصحابه يفضلون أن يجرى الجراحة طبيب أوروبى. ولكن السلطان رفض واعتبر هذا التفكير اهانة. وأصدر ارادة سلطانية باجراء جراحة يتولاها الدكتور قمبو زاده اسكندر باشا. وكان كبير جراحى القصر السلطانى. ومن هنا يأتى الاتهام بأن السلطان رشح طبيبه لكي يغتال الأفغاني وهى تهمة صعب قبولها, لأن السلطان لو عرف أن طبيبه مستعد لأن يقتل شخصا لإرضائه, لن يأمن له أبدا. واسطنبول آنئذ تمر بآلاف المؤامرات. ولم يكن هناك سلطان عثمانى منذ سنين آمنا على كرسيه. أما عبدالحميد الثانى فكان موسوسا يعتقد أن الجميع يتآمرون عليه. وكان الأفغاني نفسه متوجسا من الجراحة التى أجريت له. وربما كان يعتقد أن السلطان يريد التخلص منه. ولذلك طلب منه أحد أصدقائه الأوروبيين أن يرسل له طبيبا أوروبيا. وجاءه الطبيب الأوروبى وهو يعانى الآلام بعد انتهاء العملية. وقال الطبيب لصديقه الأوروبى ولا ندرى هل قال ذلك للأفغاني أم لا ان العملية لم تجر على وجهها الصحيح, وهو اتهام على خطورته لا يدين الدكتور التركى الذى كان على سمعة جيدة. وان التمريض أو التطهيرات بأسلوب العصر لم تكن دقيقة وسليمة. ولذلك فلا أمل فى شفاء المريض. وقضية التمريض فتحت بابا أمام الذين يعتقدون أنها مؤامرات فإذا كان من الصعب على الدكتور اسكندر أن يخون مهنته وشرفه ومكانته. فمن السهل التسرب إلى الأفغاني عن طريق التمريض وربما كانت تلك الخطة التى رسمها السلطان, الذى لم يحاول أحد تبرئته من التهمة. فتاريخه كان مجموعة من المغامرات. ومن المعروف أن السلطان عبدالحميد قد عزل بعد ذلك بسنوات. وكتب مذكرات قرأتها منذ فترة. حاول فيها أن يبرئ نفسه من كل التهم التى وجهت إليه, ولا مانع لدى من أن أصدقه. لكننى لا أشك لحظة واحدة من مجموع مذكراته انه كان حقودا أشد الحقد على كل الناس, وعلى أى فكرة انسانية أو تقدمية. وأيضا هذا ليس ادانة للسلطان فى مقتل الأفغاني. فأنا أحاول أن أعيد الصورة كما كانت وشخصية السلطان من عوامل إدانته, التى لا نملك كل الأدلة عليها. دليل آخر: بمجرد وفاة الأفغاني صدرت (الارادة) إلى حسن باشا ضابط بشكطاش بضبط أوراق الأفغاني. وفعلا توجه حسن باشا ورجاله وضبطوا كل ما عنده من أوراق وكتب. ثم قرروا دفنه بعد وفاته بثلاث ساعات فقط. وأسرع صديقه ومريده اليونانى جورجى كوتشى بالاتصال بأصدقائه ليحضروا الجنازة, فلم يدركها منهم سوى اثنين. ولذلك اضطروا لاستئجار حمالين, حتى يحملوا النعش. ودفنوه فى مقابر الفقراء حتى أتى صديق له أمريكى فيما بعد ووضع شاهدا على القبر. ولقد أردت من باب الفضول أن أزور قبر الأفغاني فى اسطنبول. وبحث مرافقى أياما فلم يعرف أين هو. رغم أن مرافقى هذا كان من طلبة الدراسات العليا فى الشريعة, وكان يجيد العربية طبعا. هذا التخلص السريع من جثة الأفغاني هل هو جزء من المؤامرات, أم رغبة فى التخلص من نفوذه وأفكاره؟. البعض يؤكد كما رأينا أن المؤامرة موجودة, والبعض ينكرها. ولك ما تريد. أما أنا فمعجب أشد الإعجاب بتعبير عبدالرحمن الرافعي الذى وصف ما حدث للافغاني بأنه (شبه قتل)!