(الدور المركزي للأمم المتحدة في تسوية النزاعات واقامة عالم أكثر عدلا) .. هذا هو المحور الرئيسي للبيان الصادر في هذا الاسبوع عن أكبر اجتماع قمة في التاريخ المعاصر. لكن ليس من المعقول أن نراهن نحن أبناء شعوب العالم الثالث على مستقبل الأمم المتحدة.. فحاضرها وماضيها لا يشجعان على مثل هذه المراهنة. إن القوى الكبرى في هذا العصر هي التي تنفرد بإدارة العالم اما خارج اطار الأمم المتحدة والقانون الدولي أو من خلال المنظمة دوليا إذا كان ذلك ملائما لمصالح قوة كبرى أو أكثر. حتى نهاية عقد الثمانينيات في القرن الماضي كانت قرارات الأمم المتحدة تمثل ارادة الأغلبية العددية المكونة من دول العالم الثالث. فقد كان صنع القرار يجري في الجمعية العامة التي تضم جميع الدول الأعضاء, غنيها وفقيرها, كبيرها وصغيرها. كانت الولايات المتحدة ومعها مجموعة الدول الغربية الكبرى الأخرى تتحاشى مجلس الأمن الدولي حتى لا تتيح للقوة العظمى الثانية المناوئة المتمثلة في الاتحاد السوفييتي استخدام حق (الفيتو) لاحباط أي مشروع قرار يتبناه الغرب. ولهذا انتقل الثقل إلى الجمعية العامة حيث لا فيتو لأية دولة عضو.. وبذلك كانت مجموعة العالم الثالث تنفذ إرادتها على قاعدة أغلبية الأصوات. ومع ذلك كانت الانجازات التي حققتها مجموعة الدول النامية حتى نهاية عصر الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي كقطب أعظم متواضعة في اجمالها. أما الآن وبعد انفراد الولايات المتحدة بزعامة العالم وإحجام روسيا المتضائلة عن تحدي واشنطن فإنه لم يعد لمجموعة الدول النامية أي صوت يسمع. هذا هو العصر الجديد الذي انتقل فيه مركز الثقل من الجمعية العامة إلى مجلس الأمن. ورغم ان عهد الحرب الباردة وصراع القطبين الكبيرين والتسابق المحموم بينهما كان أفضل نسبيا للعالم النامي من اليوم إلا ان الأمم المتحدة وأجهزتها كانت وتظل أداة للأقوياء في مواجهة الضعفاء. فالشرعية الدولية لا تكون سارية المفعول إلا وفق توجهات السياسات الدولية للأقوياء ومصالحهم الحيوية. والأمثلة لا تحصى. إن المثال الأقرب هو بالطبع العالم العربي. فإسرائيل ترفض صراحة تطبيق أي من القرارات المتتالية التي اتخذتها الأمم المتحدة بشأن قضية الشرق الأوسط دون أن ينالها عقاب.. ابتداء من قرار تقسيم فلسطين قبل نحو نصف قرن وليس انتهاء بالقرار 242 الذي يلزم الدولة اليهودية, بناء على نصوص القانون الدولي, بتصفية احتلالها للأراضي العربية التي سيطرت عليها ابتداء من عام 1967 ولا تزال خاضعة للاحتلال. ولقد انتظر لبنان 22 عاما لكي تقوم الأمم المتحدة بتنفيذ قرارها الذي يقضي بجلاء القوات الاسرائيلية عن (الشريط الحدودي) في أرض الجنوب اللبناني. ولو واصل لبنان المراهنة على الأمم المتحدة ولم يخرج إلى الوجود (حزب الله) بمقاومته المسلحة لما اضطرت اسرائيل إلى سحب قواتها من الأراضي اللبنانية. أما حالة العراق فإنها تفضح الأمم المتحدة وخضوعها لإرادة الأقوى, لا لاعتبارات العدالة الدولية, بصورة لا مزيد عليها. فباسم الشرعية الدولية يستمر الحصار المفروض على العراق بحجة ضرورة استكمال تجريده من أسلحة ومواد التدمير الشامل بينما تمتلك اسرائيل نفس الأسلحة والمواد ومن بينها أكثر من 200 رأس نووي جاهزة للاستخدام الفوري. إن حاضر وماضي الأمم المتحدة لا يبشر بخير. وعلى هذا النحو فإن مسلكها الانحيازي للأقوياء حتى لو كانوا على باطل ضد الضعفاء حتى لو كانوا على حق يعكس الحقيقة الأزلية بأن الطبيعة البشرية مجبولة على الطغيان والعدوان. فلتراهن الشعوب الضعيفة إذن على تملك أسباب القوة عوضا عن المراهنة على وهم (عالم أكثر عدلا) .