قال لي صديق في تعليقه على نتائج الانتخابات اللبنانية الاخيرة اننا في العالم العربي والعالم الثالث بصورة عامة, نستبدل كلمات بكلمات ونغير شعاراتنا باخرى حسب تغير مراحل تاريخنا السياسي, ولكن الممارسة تبقى هي نفسها دون ان يعتورها اي تغيير, فقد استبدلنا بمفهوم (القومية) الذي ساد خطابنا السياسي في مرحلة معينة, مفهوما آخر هو (الديمقراطية) الذي هيمن على شعاراتنا السياسية في المرحلة اللاحقة, من دون ان نغير شيئا في الممارسة ومن دون ان يطرأ اي تبديل على واقع الاداء السياسي نشعر معه بأننا قد انتقلنا حقيقة من دائرة الكلمات الرنانة الى دائرة التنفيذ العملي لمحتوى هذه الكلمات. ولقد انقسم الناس ازاء الانتخابات اللبنانية بين راض بنتائجها سعيد بها, وفاقد لامكان الممارسة الحقيقية للديمقراطية, مفتقر الى ادواتها العملية التي تفضي به الى النجاح, فلقد طرحت هذه الانتخابات في الاسابيع الماضية معضلة الحكم في عالمنا الثالث, فبينما اعتقد البعض ان طريق الوصول الى الحكم هو طريق المال والاعلام, اعتقد البعض الآخر ان المبادىء وحدها هي الطريق المفضي الى سدة الحكم. ولكن هذه المعضلة تبين انها ليست خاصة بنا, ولا بعالمنا الثالث فحسب, كما انها ليست حديثة العهد او وليدة هذه الايام, فهناك في الديمقراطيات الغربية (الراسخة) بعض من هذا الالم الذي نشكو منه وكثير من الاثم يرتكب باسم الديقمراطية, هذا الاثم هو استخدام طرق ومبادىء من المفروض ان تكون محققة لمصالح غالبية الناس بشكل عادل فاذا بهذه الطرق والمبادىء تنتهي بتحقيق مصالح فئة صغيرة من الصفوة, تضاف الى فئة اهل الحكم, بل لعل الاخطر من هذا ان تقوم الآلات الاعلامية الفائقة التأثير والموالية لاصحاب النفوذ بخداع الجماهير العريضة من الناس فتدفعهم الى التصويت لمبادىء وشعارات تخاصم مصالحهم الحقيقية! وهكذا فبدلا من ان توزع ا لكعكة على عدد صغير من الناس يكتفون في نهاية الامر بما اخذوه تكبر هذه الشريحة ويضاف اليها مجموعة منتفعين جدد. ومما يلفت النظر الى ان هذه الظاهرة التي تكاد تكون عالمية ما نشر هذا الاسبوع في بريطانيا مؤكدا لهذاالتوجه وهو مذكرات في شكل كتاب للكاتب البريطاني مارتن بل. الكتاب عنوانه (عضو برلمان.. بالمصادفة) اما مارتن بل فقد كان مراسلا صحافيا تلفزيونيا نال شهرة واسعة, نتيجة تغطيته حرب البلقان لحساب التلفزيون البريطاني في التسعينيات فهو مراسل صحافي سياسي ضاق ذرعا بعضو البرلمان البريطاني في منطقته وهي احدى المناطق الانتخابية في مقاطعة ويلز واسمه نيل هملتون الذي كان اداؤه السياسي يتصف بالكذب, فخاض مارتن بل الانتخابات مستقلا بهدف اسقاط عضو الدائرة ذاك, وكان (بل) هو المرشح الوحيد في تاريخ السياسة البريطانية منذ خمسين عاما الذي يترشح للبرلمان مستقلا عن الاحزاب وقد فاز بالمقعد المخصص لدائرته بينما سقط هملتون سقوطا ذريعا, ولكن لأن (بل) لا ينتمي لأي حزب من الاحزاب الثلاثة التي تتقاسم العمل السياسي في بريطانيا فلم يكن عماليا ولا محافظا ولا ديمقراطيا ليبراليا, فإن كلا من هذه الاحزاب لم يقبله صديقا, ونظر اليه الجميع على انه خارجي متطفل, وكل شريحة سياسية تتخوف منه, اعتقادا منها انه موال للشريحة السياسية المضادة, وقد جعل كل هذا مارتن بل يكتشف ان البرلمان البريطاني ما هو إلا ناد للخاصة فقط, وان السياسة هي مهنة, مثل كل المهن, وانه يسود بين اعضائها التعاطف والتكاتف حتى لو كانوا على خطأ ومن ثم فهم لا يدعون مكانا لأي شخص من خارج دائرتهم, ويوصدون امامه الطريق حتى لا يزاحمهم في مهنتهم. قرر مارتن بل ان يكتب مذكراته مضمنا اياها نظرته للعمل السياسي البريطاني من الداخل, يقول عندما دخلت الى البرلمان دعيت لتناول الشاي مع السيدة اللورد بربرا كاسل عضو سابقة في البرلمان وعضو حاليا في مجلس اللوردات عملت في السياسة البريطانية ضمن صفوف حزب العمال لمدة ستين عاما ولم تكن تحب سياسة حزب العمال الجديدة بقيادة توني بلير فوصفتهم بأنهم (اولاد..) يقول مارتن انها لخصت عمل ستين عاما بكلمتين فقط. يقول مارتن بل: لقد شعرت بأني مثل بحار ضائع في بحر هائج دون بوصلة او حتى هدف, لقد كان بوسعي ان انضم الى حزب من الاحزاب, وكان ذلك الحزب ايا كان سيرحب بي, ولكني شعرت بأني لو فعلت ذلك سأرتكب خيانة لاولئك الذين انتخبوني لقد شعرت بأنها شجاعة من نوع ما يتحلى بها عضو الحزب في البرلمان البريطاني لانها شجاعة (مخالفة الضمير) فقد كان عليه او عليها ان يصوت لافكار الحزب ومشروعاته السياسية حتى من دون اقتناع ووجدت ان من تتعارض وجهات نظرهم بقوة من اعضاء البرلمان في قضايا معينة ويلزمهم الحزب بالتصويت اما ان يسافروا الى بنجلاديش! في مهمات رسمية لتقصي الحقائق لتفادي التصادم مع الآخرين او ان بعضهم يصوت مع حزبه ثم يسر الي بعدم اقتناعه بالموضوع مشيرا الى ان الحزب رغم اهميته هو الاخ الاكبر ومن يقرر سياسة الحزب هم اقلية في القيادة والمعارض منبوذ. وجهات النظر الصحيحة والحرة ـ كما يقول (بل) لا تسمعها إلا في الممرات والحجرات الخلفية الملحقة بالبرلمان وفي اثناء فترة التدخين, بل ان بعضهم يخفض صوته الى درجة الهمس ان مر بهم (وويب) وهو عضو البرلمان الذي تنيط به ادارة الحزب تنظيم تصويت الاعضاء في البرلمان البريطاني ومتابعتهم والتسمية لها معنى فهي اقرب بالعربية لحامل السوط! يشير المؤلف الى حزبه بأنه صغير مكون من فرد واحد هو (انا) ذلك ان الحزب لو كان عدد اعضائه اثنين فلا بد انه سينشب بينهم خلاف, اما ان كانوا اربعة في حزب فسوف يحدث انشقاق واما اكثر من هذا فسوف تجد الهمز واللمز. في البرلمان تسمع سخافة المتحدثين وفراغهم من المعرفة والهدف فهم خير من يضيع الوقت بالتعليقات العامة التي تفتقر الى المعنى. فالقليلون منهم فقط هم الذين يجبرونك على سماع ما يقولون. أما الباقي وهم الأغلبية فإنهم يتحدثون كثيرا دون ان يقولوا شيئا! يقول مارتن إننا في بعض الاوقات نكون مع اليسار, و في بعض الأوقات مع اليمين, ولكن لم تتح فرصة للحديث الا عندما تفجرت فضيحة (شركة سباق السيارات) . فقد قدمت هذه الشركة لحزب العمال مليون جنيه تبرعا للحملة الانتخابية, ثم قابل رئيسها رئيس الوزراء في مقر اقامته, وبعدها طلبت الشركة اعفاءها من قانون سنته الحكومة بمنع الاعلان عن السجائر في المناسبات الرياضية, وتقدمت الحكومة لتعديل القانون بما يفيد الشركة, وكانت هذه فرصتي ـ يقول المؤلف ـ لأن الحزب المعارض لا يريد ان يفتح هذا الموضوع على مصراعيه, ذلك انه, شأنه شأن الحزب الحاكم, يتلقي تبرعات من مثل تلك الشركة, وفي اللحظات الأخيرة من النقاش لفت وقوفي المتكرر رئيسة البرلمان, فأذنت لي بالحديث, فقلت لرئيس الوزراء: (هل يوافق رئيس الوزراء على ان شبهة الوقوع في الخطأ, هي مثل الخطأ نفسه, أم اننا ضحينا بتنين لنجد تنيناً آخر بديلا عنه, (يقصد حزب العمال), ويختلف عنه فقط في أن بين فكيه وردة حمراء (وهي شعار حزب العمال)) . يكمل المؤلف انه بعد هذا التعليق, تجاهله الكثير من أعضاء البرلمان من حزب العمال, كما لم يجد مناصرة من الحزب الآخر. أطرف ما يرى مارتن بل انه وجد نفسه يتلقى رسالة رسمية بعد تعديل قانون الأحزاب, مثله مثل رؤساء الأحزاب الثلاثة, تقول إن (عليك ان تسجل اسم حزبك, وشعاره, ودفع مئة وخمسين جنيها, تنفيذا لقانون الأحزاب) ! يقول مارتن إنه عضو الحزب ورئيسه وكل اعضائه, وقد امتنع عن التصويت في القضايا المختلفة لفترة, ثم ما لبث ان غير رأيه, وفي بعض المرات كان يصوت في مصلحة جانب, ثم يعود فيصوت في مصلحة جانب آخر ليلغي عملية التصويت الأولى. ويستمر مارتن في وصف بعض ألاعيب الممارسة الديمقراطية البريطانية, فيقول إن بعض أعضاء الحزب توزع عليهم قائمة بالأسئلة التي يريد الوزراء التابعون للحزب نفسه الحديث فيها, فيطرح العضو السؤال, ثم يتصدى الوزير للرد, وقد عرف السؤال مسبقا, ولكن الجمهور لا يعرف أن الأمر لا يعدو مسرحية معدة سلفا, ومتفق عليها بين النواب والوزراء. يصف مارتن البرلمان البريطاني الذي خبره من الداخل بأنه برلمان (تبصيم) فيقول: (ما ان أسمع عبارة (العضو المحترم) حتى اسقط قلبي بين كفي متوقعا هجوما سيكوباتيا لا معنى له يخرج من حنجرة المتكلم) . أما أسوأ ما يحدث في البرلمان البريطاني كما يقول المؤلف, فهو أن الأحزاب تطلب من الشركات والمؤسسات (تبرعات مالية) وهي تعرف أن هذه الشركات سوف تطلب (خدمات) مقابل هذه التبرعات في وقت لاحق. أما الأمر السيىء الآخر, فهو الطريقة التي يدعم بها بعض اعضاء الحزب طلبة الجامعات, حيث يختارون الطلبة النابهين, وكل مؤهلاتهم هي طموحهم الى السلطة ليصبحوا مرشحين للدخول في الانتخابات في وقت لاحق. نتيجة لهذا كله, فإن الكاتب يلاحظ نموا في عدد الخارجين عن الأحزاب, خاصة في انتخابات البلديات, كما يضرب مثالا واضحا بانتخاب الناس كينج ليفنجستون عمدة لمدينة لندن في العام الماضي بعيدا عن رغبة الحزبين الكبيرين. ما يلفت النظر في ما نشره مارتن بل ان هذه المغامرة الطريفة كشفت للعامة من الناس آليات العمل البرلماني في بريطانيا (أقدم الديمقراطيات في العالم), والتفاصيل بعضها يثير السخط, وبعضها الآخر يثير الابتسام, لكن المفارقة التي يتوقف عندها المرء, انه اذا كانت مثل هذه الممارسات تحدث في أعرق ديمقراطية في العالم, في مجتمع يملك تاريخا طويلا من العمل البرلماني, كما يملك مؤسسات رقابية عدة تملك القدرة على المتابعة والمحاسبة في كل وقت, فإن كانت هذه الممارسات تحدث هناك بالرغم من كل ذلك, فلاشك في ان (النوادي الخاصة) في العالم الثالث (التي تسمى برلمانات) تحدث تحت قبابها وبين أروقتها مشاهد أكثر طرافة وأشد غرابة!