جاءت تشكيلة الحكومة الثانية في عهد الرئيس الاندونيسي عبدالرحمن واحد بعد الكثير من المخاضات العسيرة التي عاشتها الحكومة الاولى, والتي شكلها (الرئيس واحد) يعد فوزه في الانتخابات الاندونيسية, لكنها على ما يبدو قد اخفقت في الكثير من الامتحانات الصعبة والمنعطفات الخطيرة وتخطي العثرات التي لا تزال الجزر الاندونيسية تئن من وطأتها. وخسرت الرهان في خلق آليات متوازنة للحد من اعمال العنف الطائفي, ووقف او التقليل من الاصوات الانفصالية المنبعثة من بعض الجزر الاخرى, مثل جزيرة تيمور الغربية واتشاي واريان جايا واشيه. على العكس مما كانت تشيعه حكومة جاكرتا الاولى والتي كانت على الدوام ومن خلال كل وسائل اعلامها وحركتها السياسية والدبلوماسية, التقليل من اهمية التوقعات بأن العدوى ستنتقل الى الاقاليم الاخرى التي تشهد حراكا باتجاه انفصالها, مثلما حصل في تيمور الشرقية. بالاضافة الى ان الحكومة الاولى ومن خلال تشكيلاتها, اعتبرت ان الالتزام ببرنامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي, ورؤيته ازاء حل الازمات داخل البلاد هو وحده الكفيل في تجاوز هذه الازمات المزمنة حتى ذهب البعض في تسمية الحكومة المنحلة بأنها حكومة صندوق النقد, بينما ذهب البعض الآخر في اعتبارها حكومة التسليم لارادة ورؤية الخارج, خاصة الرؤية الامريكية وقد وصل الامر حد التخوين لتلك الحكومة. لكن بالمقابل دون ان نغفل ايضا بعض التوجهات التي دافعت عن الدور الكبير الذي شكله الرئيس عبدالرحمن واحد, في الحياة الداخلية للمجتمع الاندونيسي, من نقطة الالتقاء فيما بين القوى العلمانية والاتجاهات القومية واليسارية, والقوى الاسلامية على مختلف اتجاهاتها بما يتضمن ذلك الجيش وقيادته التي تحظى بعلاقات وطيدة مع بعض هذه الاتجاهات. وهذا التوافق بكل ما تحمله الكلمة من معنى, لم يكن محض الصدفة بقدر ما بات حقيقة واقعة وملموسة على المستوى الوطني الاندونيسي والمحيط الجغرافي والدولي ايضا. حيث اعتبره البعض بأنه الداعية الجديد بعد عهد سوهارتو المحموم, لوحدة المجتمع الاندونيسي. خاصة وانه مثل لدى الغالبية العظمى من سواد الشعب المسلم خط الوسط الاسلامي الذي يجمع بين معظم الاتجاهات والتيارات الاسلامية في البلاد. لكن وبعيدا عن الاطراء, فقد توصل على ما يبدو الرئيس الاندونيسي الى مرحلة بدأ يدرك من خالها انه لا يمكن جمع التناقضات والاتجاهات في بوتقة متفجرة تقبع على فوهة بركان لانها ـ البوتقة ـ تعيش حالة من الازمات الحادة المتحركة اهمها الوحدة الوطنية, والازمات الاقتصادية التي وصلت الى الطريق المسدود بل زد على ذلك انها اصبحت عصية على الحل. اضافة الى ان السياسات التوفيقية التي بدأها الرئيس واحد. منذ توليه العهد الرئاسي قد باءت جميعا بالفشل خاصة فيما يتعلق بالصراعات الدينية الذي يمثل الخطر الاكبر على وحدة اكبر دولة اسلامية والتي تحتوي على 90% من سكان اندونيسيا وعددهم 200 مليون نسمة مسلمون, وتسعة بالمئة من المسيحيين والباقي من الهندوس والبوذيين ورابع اكثر دولة ازدحاما بالسكان. ولعل تنامي الحس القومي المجبول بالغبن, والنشاط الكبير الذي تحظى به القوى القومية الشريكة الاساسية في الحكومة الثانية قد بدأت تأخذ منحى آخر في حياة الجزر الاندونيسية بشكل عام خاصة الاقاليم ذات الاغلبية الاسلامية المتاخمة للاقاليم التي تبحث عن استقلالها من خلال الدعم الغربي وبالتحديد الولايات المتحدة واستراليا. وبدأ الشك يقتحم الكثير من التحالفات التي بدأها الرئيس الاندونيسي عبدالرحمن واحد, في مقتبل عهده الرئاسي, كالعلاقة على سبيل المثال مع أمين ريس الذي يتزعم منظمة (الحركة المحمدية) والتي يقارب عدد اعضائها عن ثلاثين مليون شخص حسب التصريحات التي صدرت عن العديد من مسئوليها بمن فيهم (ريس) خاصة وان (ريس) خريج الجامعات الامريكية, وان تخصصه العلوم السياسية وهؤلاء في غالبيتهم ينظرون الى السياسة على انها فن الممكن ويضمرون بعكس ما يظهرون وهم اصحاب مقولة الحفاظ على العلاقة مع صندوق النقد والتوافق مع متطلبات الغرب ايا تكن هذه المتطلبات حتى ولو طالت الحدود القومية, كما حصل في تيمور الشرقية مثلا. وعلى ما يبدو ان ميجاواتي سوكارنو بوتري ابنة الرئيس السابق احمد سوكارنو مؤسس اندونيسيا المستقلة واول رئيس للبلاد, الذي يطلق على عهده (العصر الذهبي) والذي لا يزال الاندونيسيون يذكرونه من خلال صورة ابنته ميجاواتي وتحالفها الديمقراطي واليساري قد اعادت للقيم القومية الاندونيسية بريقها ولمعانها من جديد, وكانت الاقدر على لفت انظار الشعب لهذه الايديولوجية, مستغلة توقه للعهد القومي الذي منح اندونيسيا هويتها. والذي يعتبر مطلبا شعبيا في ظل الصعوبات التي تواجه وحدة الاراضي الاندونيسية خاصة لدى اوساط الحركة الطلابية والتي تحظى هي الاخرى بسطوة قوية في البلاد وانها تعتبر الفئة الاكثر قدرة على التغيير كونها من الفئة العمرية الشابة, والتي لا تزال تسخر بمعظمها بقدرة الرئيس عبدالرحمن واحد في مواجهة اي احتمال طارىء وقد تكون حزمة الازمات والمشكلات المركبة التي ورثها المجتمع الاندونيسي بعامة قد خلقت حراكا سياسيا بغرض مواجهة هذه الصعوبات واعادت للقوات المسلحة الاندونيسية هيبتها من جديد واصبحت مطلبا لدى العديد من القوى السياسية حتى التي كانت تتهم هذه المؤسسة بالكثير من الخروقات والعبث, والتحكم بالسياسة الداخلية ويوجهونها حسب رؤيتهم الخاصة. ومن نافلة القول ان اندونيسيا بدأت تنحى منحا جديدا سيحمل الكثير من الطروحات السياسية الممزوجة بالكير من اعمال العنف ضد كل القوى التي تسعى الى الاستقلال عن الوطن الام, وسنشهد صراعات دامية ضد القوى الدولية التي لعبت بشكل مباشر في التوصل لما آلت اليه الامور في تيمور الشرقية. وليس غريبا اذا ما اعتبرنا ان مقتل ثلاثة من الموظفين في مؤسسات الامم المتحدة في جزيرة تيمور الشرقية من قبل اشبه ما يكون بثورة شعبية مصغرة, هو دق لناقوس الخطر. كما يعتبر بداية لحركات عسكرية, اشبه ما تكون بحرب العصابات, ضد كل المؤسسات الاممية والعاملين في المنظمات الانسانية, بما في ذلك القوات الاسترالية التي اعتبرت منذ أن وطأت ارض تيمور الشرقية على انها قوة احتلالية وانها السبب المباشر في سلخ الجزيرة ولن تتوقف عند هذه الحدود بل ستتمدد الى جزر اخرى. لكن بالمقابل, رغم ما سيلحق بالحكومة الاندونيسية من ضغوطات دولية كبيرة الا انها لن تقوى على حل هذه الميليشيات واذا ما اقدمت الحكومة الثانية المأزومة على مثل هذا التصرف فستحفر قبرها بيدها لأنها من جهة تعيش ازمة اقتصادية حادة وهي لا تمتلك رؤية واضحة الى الخروج منها راهنا, اما من جهة ثانية ستعتبر بأنها تفرط بوحدة الاراضي الاندونيسية. وهذا الامر قد ينقل الصراع من اطراف الدولة الى داخل العاصمة جاكرتا واذا ما حصلت مثل هذه الصراعات ستكون بكل تأكيد بداية نهاية اندونيسيا وستصبح دولا متصارعة فيما بينها وستتحقق النبوءة التي تقول بأن اندونيسيا مقبلة على عصر عاصف سيؤدي الى تفتيت وحدتها وبداية لتقسيمها. ومن الجدير بالذكر ان وقف اعمال العنف الموجهة ضد منظمات الامم المتحدة من قبل الشرطة الاندونيسية ليست نهاية اعمال العنف وان هذه الجزر تنتظر جولة جديدة من العنف وستضطر الحكومة الاندونيسية تحت عنوان (مكره اخاك لا بطل) اتخاذ موقف واضح اما لجهة التسليم بالشروط والمطالب الدولية التي تنادي باستقلال تيمور الشرقية وغيرها من الاقاليم التي تعيش بداية حملات وصراعات كمقدمة لنيل استقلالها عن جاكرتا او ان تلجأ وتحت عنوان وحدة اندونيسيا الى الوقوف مع هذه القوى ومعاداة الولايات المتحدة واوروبا واستراليا وبعض دول جنوب شرق آسيا التي تدور في فلك تلك الدول . لكن ختاما للقول ان كل الحلول المطروحة مهما كانت مرة بحاجة الى موقف حازم من حكومة جاكرتا فإما استعداء الخارج او تأليب الداخل على الداخل. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق