قد تضطر ظروف الانسان الصعبة ان يبتعد بعض الوقت عن الناس مختليا بنفسه, في محاولة للتأمل في امور طالما أرقته في حياته, وليرتب ملفات الذاكرة الانسانية التي تراكم عليها غبار السنين, عله يجد حلولا شافية ومنافذ ترويحية. فكم يمر في حياتنا ان نرى انسانا ينسلخ لثوان عن هذا العالم المشوش بالضوضاء عله يعثر على دواء لمصيره الغامض وينغمس في ما وراء الذاكرة ليمسح تراكمات علت نفسه السحيقة الضاربة في الاعماق. قد يسترسل الانسان متذكرا مشهد مسرحية ساخرة مضحكة حضرها ويمر الشريط فيبتسم وهو يرى رأي العين حركة هذا الممثل او ذاك, وقد يضحك مقهقها لأنه تذكر هذا الموقف او تلك الحركة او النكتة ويتحلل الموضوع في ذاكرته منطقيا فتغدو الحركة لديه او الكلمة مجرد وسيلة لأداء معنى ما, قد يكون ادعى الى البكاء منه الى الضحك. وقد تقودك رجلاك يوما الى حديقة عمومية فترى منظر الوردة المتفتحة تسر الناظرين وهناك يجلس حبيبان غرتهم مراهقة الحياة وتقترب يد الحبيب المرتجف ليقطف ما طاب له, وردة من خدرها ليهديها عربون حب, فتعجب من لهفة الفتاة وبسمتها العريضة وهي تحتضن الوردة وتمسح دموع ألم الفراق واللقاء معا. ويبتسم الفتى المحب لذلك مقدرا قيمة ما مثلته هذه الوردة لعاشق ولهان, وتكبر الصورة في عينيه ليغمض عينا ويرى بالاخرى مكان الوردة التي تربعت على عرشها تحفها قطرات الندى, وتختلط عنده الاحاسيس ويصعب تحديد المفاهيم وتختلط التعاريف فلا يسعه الا ان يقول انها جميلة.. هي لحظة صلح حبيبين بعد خصام. وجميل ان تكون الوردة عربون احساس عميق ولكن ماذا عن هذا العربون الم يكن ثمنا غاليا للحظة أكلها الزمن, فيدرك اخيرا حقيقة ما فعل.. فما احمقه قتل الجمال في خدره, اتى المساء وذبلت الوردة.. واخر مراهق ينتظر نتيجة امتحاناته, فينزع عن الوردة اوراقها الواحدة تلو الاخرى, عله يجد الامل بالنجاح, جميل هو النجاح ولكن ما باله فتك بآيات الجمال, ويموت ورد الحب الذي زرع في شذى الزهور, ويموت الامل بغناء الحزن, ويموت الوفاء باشجار السقم, وينجرح المعنى في قالب الكلمة, وعطش الروح على وسادة الأحلام لينغرس الرأس على الآلام على زهرة بلا اوراق ووردة ذابلة بين الحطام ولعب الموت.. انها قصة اضطراب الانسان والارتباك الذي يعتري حياته وفقدان توازنه بين طاقة عقله وعاطفته. محمد خليفة