مرة أخرى نرجو ولعلك أنت ترجو أن تكون الأخيرة في مبحث الأسماء الذي شغفنا به على امتداد أكثر من حديث في هذه الزاوية.. وكلما طاوعتنا النفس على أن نصل بحديث الأسماء, الى ختام نفاجأ أنه لا يزال في الجعبة الكثير مما يقال.. كيف لا وأمامنا اسم لعله فريد من نوعه ونحسب أنه مقصور على بنات أجيال سلفت في مصر هو اسم (تفيده) والاسم بهذه الصيغة لا راح ولا جاء. وليس له أي دلالة أو معنى.. ذلك لأنه يعكس أساسا التأثير التركي العثماني على ثقافة أهل مصر. ولعلك تعلم أن الأتراك كانوا في عهد أتاتورك يختارون لأسماء أولادهم وبناتهم صفات ومعاني ودلالات جميلة.. بعضها شاعري وكثرتها مستوحاة من القيم الاخلاقية والمعاني الاسلامية العربية بطبيعة الحال. هكذا كانت اسماؤهم من قبيل عزة ومدحة وحكمة وكانوا يكتبون هذه الأسماء بالتاء المفتوحة ومازال المصريون يكتبونها هكذا في حين أن كثرة من يعاربة أهلنا في الشام والعراق يكتبونها بالتاء المربوطة. هكذا خلع الأتراك على بناتهم اسم (توحيدة) طبعا من معنى التوحيد.. ولم يكذب المصريون خبرا بل عمدوا الى محاكاة حاكميهم من أتراك الزمان القديم لكن الأتراك كانوا ينطقون توحيدة على طريقتهم الخاصة فهم يقلبون الواو فاء فخيمة ذات أبهة تملأ الحلق ويخرج رفيفها في صوت شبه إنفجار بين الاسنان والشفاه كما يقول علماء الصو ت يات. والأتراك أيضا معادون لحرف الحاء إذ يقلبونها, وأنت سيد العارفين الى هاء. فاذا بالسيدة توحيدة ذات الاسم الحنيفي الجميل تصبح (تفهيدة) واذا باخواننا في مصر المحروسة يحاولون التعامل مع المذكورة فلا يستطيعون نطق الاسم بهذا الشكل إذ يكاد يقطع الأنفاس وهكذا رضي المصريون من الغنيمة كما يقولون بالاياب وتحول الاسم مع حذف الهاء الى تفيده. وقد حملته كثرة من سيدات الأجيال الماضية كما ألمحنا وخاصة في الأرياف دون أن يدركن الأصل التوحيدي البالغ الاحترام للاسم الكريم. في جعبتنا أيضا خلال اقامتنا على امتداد سنوات أربع في لبنان العزيز أسماء استحدثوها من واقع الحرب الأهلية لا أعاد الله أيامها.. حيث كان المذيع (شريف الأخوي) على نحو ما نذكر, يطلع على الناس مع فلق الصباح لكي يرشدهم الى أي الطرق الآمنة وأي الدروب السالكة التي يمكن أن يطرقوها بعيدا عن رصاص الأخوة الأعداء في منتصف السبعينيات. ويومها دخلت الى القاموس اليومي في لبنان أسماء خلعها الأهل على وليداتهم اللائي جئن الى الحياة خلال سنوات الصراع الأهلي.. أسماء من قبيل الآنسة (سالكة) والآنسة (آمنة).. تماما كما شهد قاموس الأسماء في مصر منذ عقد الأربعينيات أسماء (وفدية) ناهيك عن اسم السيدة (كاديلاك) الذي سمعته في مجلس موقر بالقاهرة وقبل أن أنفجر بالضحك وأتهور متطوعا بتعليق ساخر أو متهكم, سارع أحد الجالسين الى انقاذي من المهالك حين أسر في أذني بأن السيدة المذكورة هي زوجة واحد من كبار المسئولين.. وكان هذا منذ نحو 20 عاما.. ومن بعده ترددت خلال اقامتنا السعيدة في ربوع أمريكا أسماء من قبيل (مرسيدس) وهو اسم شائع بين بنات وسيدات أمريكا اللاتينية وإن كان الاسم الذي جذب أسماعنا ونحن نتهيأ لكتابة هذه السطور يخص سيدة عربية تقيم في كندا وكانت تطمح للعمل بإحدى المنظمات الدولية.. واسمها (رومانسية) وأكرم بالوالد الذي خلع عليها الاسم.. أو الوالدة سيان.. بكل ما يحمله الاسم من معاني الرقة وايقاع الشعر وخاصة في زماننا الراهن الذي نسى فيه المبدعون مقطوعات الشعر وأحلوا محلها هجينا مختلطا وأطلقوا عليه (قصيدة النثر). لكن كل هذا كوم.. وما قرأناه مؤخرا عن أخبار بريطانيا التي كانت عظمى كوم آخر.. ولسنا ندري هل أتاك نبأ المرشح لرئاسة كنيسة كنتربري ومن ثم لموقع أكبر رجل دين في انجلترا.. وهو يلي جلالة الملكة مباشرة في ترتيب البروتوكول؟ قد تفهم أن رئيس كنيسة كنتربري السابق وقد رحل مؤخرا عن الدنيا, كا ن اسمه الأسقف راونسوري لكن الأخبار جاءت مؤخرا بأن المرشح هو الأسقف (نظير.. علي) أي نعم اسم المذكور أعلاه هو (علي) بغير فصال. وأصل الحكاية أن حضرته باكستاني الأصل على نحو ما ذكرت الأنباء وأنه ينحدر كما أضافت الأنباء من أسرة تحول عائلها في مرحلة ما الى الديانة المسيحية وسلك المحروس ابنه في سلك الكهنوت ليصبح مرشحا الى منصب هو أقرب الى البابا في انجلترا فيما ظل يحتفظ لأمر ما بالاسم الاسلامي اليعربي الأصل والشهرة. ولقد شاع في مصر أيام الحقبة الناصرية اطلاق اسماء من قبيل (تيتو) و(نهرو) و(سيكوتوري) على المواليد اعتزازا بأبطال حركات التحرر وزعماء الاستقلال في آسيا وافريقيا. وقبل تلك الحقبة وبالتحديد منذ أوائل عقد الثلاثينيات تسامع أهل مصر عن زعيم جديد طلع واشتهر في المانيا اسمه أدولف هتلر.. وعندما أدركوا وتابعوا عداء هتلر لبريطانيا وفرنسا, وعلى أساس قاعدة أن عدو عدوي هو صديقي بدأ الناس يتعاطفون مع هتلر ثم ازدادوا به اعجابا حين أعلن الحرب على الانجليز عام 1939 وحين شقت جيوشه المظفرة أرض فرنسا في عام 1940 وحين بدأت أخبار انتصارات قواده من زعماء النازي تتوالى عبر الاذاعات والوكالات.. هنالك بدأ أهلنا مسيرة من الطيبة وحسن النية الممزوجة بالأمنيات البعيدة وبالسذاجة السياسية المفرطة بدأوا ينسجون حول هتلر هذا حكايات أقرب الى الأساطير.. وبلغ الأمر أن تصوروا الزعيم الألماني النازي منقذا للبلاد والعباد من ويل وعسف الاستعمار البريطاني فأطلق عليه بعضهم لقب (الحاج محمد هتلر) وكان البعض الآخر قد أطلق اسمه شخصيا على أولاده.. وهكذا نبغ بين أسماء المصريين من حمل اسم (نازي.. أفندي) ولا يزال المصريون يسمعون اسم اللواء (هتلر.. طنطاوي) وهو على سن ورمح رئيس هيئة الرقابة الادارية. فأما السيد نازي كما يحكي رفاق له كانوا يعملون في قطاع السياحة فكان رجلا رقيقا, ولكننا نحتفل من جانبنا المتواضع باسم هتلر بكل ما يوحي به من حزم وشدة وتخويف يحمله المسئول الأول في مصر عن متابعة الفساد وملاحقة الانحرافات والكشف عن أحابيل الرشوة والمحسوبية واستغلال السلطة والتربح من الوظيفة العامة والمتاجرة بالنفوذ على حساب مصالح البلاد والعباد.. وتلك كلها أدواء تصيب مجتمعات كثيرة وتشكو جراءها كل خلق الله تعالى خاصة أفواج المستضعفين والمغلوبين على أمرهم. ولا يسع هؤلاء وأولئك سوى أن يسلموا الأمر لله تعالى, وأن يدعو بالتوفيق والسداد للسيد.. هتلر لا يقصدون الزعيم أدولف الذي انتهى أمره منذ عام 1945 ولكن يقصدون اللواء طنطاوي المسئول في مصر عن ملاحقة المفسدين.