رغم السخاء الذي تميز به قرار وزراء (اوبك) الليلة الماضية برفع اجمالي الانتاج النفطي اليومي لدول المنظمة بمقدار 800 ألف برميل دفعة واحدة جاء الرد الفوري لدول الغرب الصناعية فاترا وغير متجاوب تماما مع هذا السخاء.. مما يستدعي الاسترابة في ان للغرب الصناعي هدفا خفيا.. وربما يكون تحويل سوق النفط العالمية من سوق بائعين الى سوق مشترين. لقد جاء اتفاق وزراء اوبك في اجتماع فيينا امس سلسا وسريعا واجماعيا.. فلم يتطور اختلاف الرؤية بينهم الى شقاق او انقسام حاد. وكان قسم من المحللين النفطيين الغربيين يتنبأون بأن دول المنظمة لن تتوصل الى وفاق حول زيادة معدل الانتاج مستندين الى اختلاف في تقديرات العرض والطلب العالمية بين فريقين احدهما تتقدمه السعودية ودول الخليج والثاني تتقدمه ايران وفنزويلا, لكن يبدو ان العقلانية الحسابية كانت العامل المسيطر في الاجتماع الوزاري مما ادى الى بلورة اتفاق على معدل 800 ألف برميل يوميا كصيغة وسطية بين مليون برميل كما كان يرى الفريق الاول ونصف مليون كما كان يرى الفريق الثاني. وبالنظر الى حال سوق النفط العالمية راهنا فإن معدل 800 ألف برميل كاضافة يومية الى جملة انتاج اوبك يجب ان يكون معقولا وكافيا لكبح جماح الانفلات السعري بما يرضي مطلب الدول الصناعية المستهلكة دون ان يتسبب ذلك في انهيار للأسعار يضر بالدول المنتجة. لماذا اذن كان تجاوب الدول الصناعية الغربية سالبا على الفور؟ لقد جاء رد الفعل الغربي في افضل احواله متحفظا وفي أسوأها معارضا. فرغم ان الولايات المتحدة رحبت بقرار اوبك واعتبرته (خطوة في الاتجاه الصحيح) الا ان المتحدث باسم (البيت الابيض) سارع الى القول ايضا (ان من السابق لأوانه القول بما اذا كانت الاسعار ستنخفض نتيجة للقرار) . ومثل هذا القول يعكس تشككا وتحفظا. وفي تزامن مع البيان الامريكي قال وزير النقل الالماني ان قرار اوبك (غير كاف) وانه (يتعين على اوبك ان تضخ المزيد) . ان هذا الموقف الغربي الغريب يوحي بأن مجموعة الدول الصناعية الغربية ربما تهدف الى اعادة حالة السوق النفطية العالمية الى ما كانت عليه خلال النصف الاول من ثمانينيات القرن المنصرم حين كانت سوق مشترين لا سوق بائعين. في ذلك الحين كانت السوق مترعة بفائض نفطي كبير ومتجدد مما نقل مبادرة التحكم في السوق من ايدي المنتجين الى ايدي المستهلكين. حينئذ كانت اسعار النفط منزلقة في اتجاه هبوطي مستديم مع تجاوز العرض للطلب. وفي الوقت نفسه اتاح ذلك الفيضان النفطي للدول الصناعية المستهلكة تعبئة مخزوناتها الاحتياطية لخام النفط بصورة كاملة ومتجددة بحيث انها كانت في موقف يمكنها من السيطرة على النهج السعري.. فتعمد الى ضخ كميات نفطية من المخزونات الاحتياطية الى السوق كلما بدا مؤشر بأن الاسعار قد تعاود الصعود. الآن تريد الدول الصناعية الغربية للتاريخ ان يعيد نفسه. هذا هو التفسير الوحيد لرد الفعل الفاتر تجاه قرار برفع الانتاج بمقدار 800 ألف برميل يوميا دفعة واحدة. فالغرب كما يبدو يريد فائضا نفطيا يغمر السوق حتى يتوالى هبوط الاسعار بصورة دراماتيكية ثم تعمد بعد ذلك الدول الصناعية الى اعادة تعبئة مخزوناتها الاحتياطية بنفط رخيص لاستخدامه في توجيه (ميكانزم) العرض والطلب لصالح المشترين وضد مصلحة البائعين. ان دول اوبك قد تصرفت بقدر عظيم من المسئولية تجاه التوازن الاقتصادي العالمي فاتخذت قرارا عقلانيا يمثل نقطة التقاء بين مصالح المنتجين والمستهلكين. اما الدول الصناعية فانها بعيدا عن تحمل مسئوليتها تجاه التوازن العالمي, لا تزال تمارس الجشع.