عندما اعلن في يوليو الماضي عن اختيار ريتشارد تشيني ليشارك جورج بوش حاكم ولاية تكساس في خوض غمار الانتخابات الرئاسية المقبلة, مرشحا لمنصب نائب الرئيس اوضحت استطلاعات الرأي على المستوى القومي تقدم البطاقة الانتخابية الجمهورية بنسبة تتراوح بين 10% الى 15% على نظيرتها الديمقراطية. وقد حظي تشيني, حتى من خصومه بتقدير كبير باعتباره مسئولا يتسم بالكفاءة والدأب, وله سجل طويل ومميز في الخدمة العامة فقد عمل في السبعينيات رئيسا لموظفي البيت الابيض ايام كان جيرالد فورد هو ساكنه. ومن عام 1979 الى 1989 خدم في الكونجرس حيث شكل سجلا محافظا قويا في الاقتراع على القضايا الاجنبية والداخلية. وخلال رئاسة بوش في السنوات من 1989 ـ 1993 شغل منصب وزير الدفاع حيث اعتبر مهندسا للسياسة الامريكية المتعلقة بحرب الخليج. وبينما اشار لبيون بانيتا احد المساعدين البارزين للرئيس بيل كلينتون الى سجل تشيني المحافظ فقد قال ان (ديك تشيني رجل جيد, وانا احترمه كثيرا, وقد اتيحت له فرصة العمل معي خلال الوقت الذي كنت فيه بالكونجرس.. وليس هناك شك في انه شخص مخلص) . وحتى مع هذا التقدير من الخصوم فإن التغطية الاعلامية لترشيح تشيني لمنصب نائب الرئيس قد راوحت بين التعامل السلبي والتجاهل. وبداية فإن هذا ربما يكون راجعا للحقيقة القائلة ان الكثيرين قد دهشوا لهذا الاختيار, ففي نهاية المطاف كان تشيني رئيس لجنة بوش لاختيار المرشح لمنصب نائبه الرئيس, وبدا امرا مربكا ان ينتهي به الامر ليكون الخيار الاخير للجنة وكان الكثيرون يتوقعون خيارا دراماتيكيا بشكل اكبر للمرشح لمنصب نائب الرئيس (على سبيل المثال جون ماكين او اليزابيث دول او حاكم ولاية بنسلفانيا توم ريدج). وكون تشيني قد خدم في الكونجرس عشر سنوات معناه ان تشيني قد راكم سجلا قياسيا مستفيضا في الاقتراع, حاول الديمقراطيون بصفة فورية استغلاله بالاشارة الى بعض اقتراعاه الاكثر اتساما بالمحافظة, مشيرين على سبيل المثال الى معارضته للجهود المبذولة لاحكام السيطرة على بيع الاسلحة والبرامج الخاصة بالاطفال وعمليات حماية البيئة والحقوق المدنية. ومن المؤكد ان هذه الاقتراعات كانت شديدة الاتسام بالطابع الحزبي, وبعضها لا يمكن فهمه الا في السياق الذي تمت فيه, ولكن هذه الهجمات نجحت الى حد ما في وضع الجمهوريين في موضع الدفاع حيث اجبروا على تفسير كل اقتراح, واقر تشيني نفسه بأنه في بعض الحالات كان من شأنه ان يقترع بشكل مختلف لو ان هذه القضايا طرحت اليوم. وفي المؤتمر الجمهوري الذي عقد في فيلادلفيا والذي ابرز موضوعات بوش الرئيسية وهي (الاعتدال والتعاطف والمشاركة) القى على عاتق تشيني تنفيذ هجوم معاد لكلينتون ومتشدد خاطب القاعدة المحافظة للجمهوريين. وفي ختام المؤتمر الجمهوري, وجه بوش وتشيني نفسيهما وقد خطبا بأسبقية اكبر في استطلاعات الرأي على المستوى الوطني وانطلق مرشحا الحزب الجمهوري المفعمان بالثقة في النفس في جولة حملتهما الاولى معلقين الآمال على ان سبقهما سيتواصل في الايام التي تسبق المؤتمر الديمقراطي. ومع اعلان آل جور المفاجىء عن ترشيح جوزيف ليبرمان لخوض السباق على منصب نائب الرئيس, فإن بوش وتشيني ابعدا بالمعني الحرفي للابعاد عن التغطيات الخبرية على المستوى القومي وعلى امتداد الاسبوعين اللذين اعقابا سيطرة الديمقراطيين على الساحة الاعلامية. ولم يواجه بوش صعوبة في العودة للساحة فقط وانما بدا تشيني مع استثناءات محدودة كمن ضل طريقه في التغطيات الاعلامية القومية. ومعظم التقارير التي تم بثها عن تشيني كانت سلبية في محتواها, وعلى سبيل المثال فإن الصفقة التي تبلغ قيمتها عدة ملايين من الدولارات والتي فاز بها من شركة هاليبرتون قد القى الضوء عليها على امتداد عدة ايام الامر الذي اجبر تشيني على الوقوف موقف الدفاع والتخلي عن هذه الصفقة الاختيارية من الاسهم التي قدمتها له الشركة التي كان يعمل بها قبلا وتعددت التقارير السلبية الاخرى التي ركزت على منهاجه غير السياسي والموحي بأجواء التقاعد في شن الحملة الانتخابية وكذلك الامثلة التي بدا فيها غير مستعد وعاجزا عن تقديم تفاصيل البرامج المحلية لبوش. ومن المؤكد ان جانبا من هذه المعاملة الاعلامية كان بعيدا عن الانصاف, فحملة بوش لم تستخدم تشيني بشكل مكثف, وقد اسند اليه برنامج محدود وينقصه البريق في الحملة الانتخابية حيث ظهر في ولايات صغيرة وفي وقائع محدودة. وهذا يختلف بصورة كبيرة عن استخدام حملة آل جور لليبرمان الذي اسند اليه قطاع كبير من عبء الحملة الانتخابية حيث ظهر في وقائع كبرى وفي ولايات بارزة وتحمل المسئولية عن تقديم موضوعات كبرى في الحملة. وكان الاستثناء البارز من هذا متمثلا في انتقاد تشيني الحاد مؤخرا لمعالجة ادارة كلينتون لسياسة الدفاع, وفيما يعد انطلاقة جادة من جانب تشيني الى مجال صنع الاخبار البارزة في اطار الحملة وجه المرشح لمنصب نائب الرئيس الجمهوري اتهاما الى ادارة كلينتون ـ جور.. التدني بالمؤسسة العسكرية الى حد ان عسكريين قد نشروا في صفوف اكثر امتدادا مما ينبغي ونظرا اليهم كما لو كانوا قضية مسلمة بها وتم اهمالهم) . والمستقبل وحده هو الذي سيقرر ما اذا كانت هذه القضية سوف تصمد من عدمه. ومن جانبها قامت ادارة كلينتون بالدفاع عن سجلها بالاشارة الى الزيارات الى نفذتها في الانفاق الدفاعي, وفي الوقت نفسه تحدى بعض المحللين العسكريين المفهوم القائل ان المؤسسة العسكرية الامريكية تمضي في طريق التراجع. غير ان الجمهوريين في الكونجرس بدوا على استعداد لاستغلال هذه القضية عن طريق عقد جلسات استماع حول مدى استعداد المؤسسة العسكرية الامريكية خلال الاسابيع القليلة الباقية من دورة الكونجرس هذا العام. وفي كل المناقشات التي اجريت حول تشيني منذ ترشيحه لم يرد الا ذكر محدود للمواقف التي وقفها المرشح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس من عدد من قضايا الشرق الاوسط. وفيما يلي بعض من تعليقاته الاكثر بروزا. فعلى سبيل المثال, وفي اعقاب الغزو الاسرائيلي للبنان في 1982 قال تشيني انه: (يشعر بخيبة الامل لان الادارة لم تكن اكثر صراحة نوعا ما فيما يتعلق باسرائىل) ومضى قائلا: (اعتقد اننا كان ينبغي ان نعبر عن استيائنا بشكل واضح.. فقد قتل وجرح الآلاف وانني اجد ان هذا امر يصعب تقبله) . ولاحظ مجددا في عام 1982م كذلك انه (اي قرار في هذا الصراع الذي دام ما يزيد على 30 عاما ينبغي ان يشمل انشاء دولة فلسطينية ولكنني بصراحة لست متفائلا فيما يتعلق بأي قرار في المستقبل القريب) . وفي عام 1989 وباعتباره وزيرا للدفاع وفي مقابلة اجريت معه اكد تصميمه على ان ىجادل بأقصى ما يستطيعه من قدرة على الاقناع) مع اعضاء الكونجرس لكي يتبنوا سياسة اكثر توازنا) في اطار العلاقات العربية الاسرائيلية. ومضى قدما ليشير الى ان: (اعتقد ان الولايات المتحدة لها دور يتعين ان تقوم به في المنطقة يتضمن امداد اصداقائنا العرب وكذلك اصدقائنا الاسرائيليين بالمعدات التي يحتاجون اليها والتي تكفل لهم الدفاع عن انفسهم) . ولما كانت هذه الآراء تتناقض في بعض الحالات مع برنامج الحزب الجمهوري لهذا العام, ولما كان تشيني لم يكررها ولم يسأل عنها في السنوات الاخيرة, فإنه من غير الواضح ما اذا كانت هذه الآراء سيكون لها تأثير على هذه الحملة الانتخابية او على السياسة الجمهورية حيال الشرق الاوسط واذا ما اثيرت هذه القضايا في نقاشات هذا العام فسوف يكون من المثير للاهتمام رصد الطريقة التي سيرد بها تشيني على اثارة هذه القضايا. وعلى اي حال فإنه يبدو ان القصة الاكثر اثارة في الوقت الراهن هي ما اذا كانت بطاقة بوش تشيني الانتخابية يمكن ان تسترد وضعها في استطلاعات الرأي على المستوى القومي, ومع اظهار استطلاعات ما بعد عيد العمال لجور في المقدمة لا على المستوى القومي فحسب وانما على مستوى الولايات التي تعد ساحة معارك انتخابية ايضا, فإن التراجع الجمهوري الكبير خلال الاشهر الماضية يدفع بعض المخلصين للحزب الى الشعور بالقلق حول ان مرشحيهم قد لا يتمكنان من ايقاف انحدارهما. ومن الجلي ان تشيني لم يتمكن من مساعدة بوش الى الحد الذي قام ليبرمان في اطار اطلاق شرارة المزيد من الحماس للبطاقة الانتخابية الديمقراطية. ويبدو ان اجهزة الاعلام والرأي العام يركزان على هذا البعد الديناميكي فيما لم يبق الا اقل من شهرين على الانتخابات. رئيس المعهد الامريكي العربي