لعملية التسوية غير العادلة الجارية الآن للصراع الصهيوني العربي, أو لما تبقى من مخلفاته وميراثه, قاموسها الخاص. فالقائمون على هذه العملية يجتهدون ما وسعهم الجهد في نحت مفاهيم مستحدثة, بقدر ما يسعون الى تحريف مفاهيم ومصطلحات راسخة, مألوفة المبنى والمعنى, عن مواضعها. بدون أخذ هذه الملاحظة بعين الاعتبار, سيقع البعض ممن لا تسعفهم المعرفة الكافية بسيرورة الصراع وتفاصيله في متاهة مفاهيمه. وقد ينحدر الأمر بهم الى درك الضلال وفقدان الاتجاه والدراية الحقيقية بتطورات الصراع وحيثياته ومآلاته المستقبلية, ولا مبالغة في الزعم بأنه سيكون لهذا القاموس غير القويم, تحت التأليف أو التوليف منذ زهاء عشرين عاما, نتائج كارثية بالنسبة للجيل الذي عاصر مسيرة التسوية ونشأ في كنفها. هذا بالطبع إن لم يتم التدارك واعادة التصحيح أولا بأول. في هذا القاموس أضحى مفهوم المقاومة مرادفا للارهاب, والتنازل عن الحقوق المشروعة يعني المرونة, والاستعصام بالثوابت الوطنية سبيلا الى التحجر ودليلا على الجمود الفكري, والتعامل مع العدو الى مستوى يرقى للتخابر والعمالة مطلبا للتعرف على اسرائيل من الداخل ومحاورة قواها المختلفة بغرض تطويعها, أما مفهوم العدو الصهيوني فهو من مخلفات عهد الاستعماء عن الحقائق, وقبل إندحار الاحتلال الاسرائيلي عن جنوب لبنان, كان نفر من الاعلاميين العرب وغير العرب يتحدثون عن الشريط الأمني الاسرائيلي! هناك مفاهيم أخرى كثيرة على هذا الغرار التحريفي, لكن بعضها يبدو أكثر خطرا في مغزاه من البعض الآخر, لاسيما حين يلبي المفهوم المراد تسويقه حقائق منظورة بالعين المجردة. من ذلك بلا حصر مفهوم الأرض المتنازع عليها, الذي يندس أحيانا للاشارة الى الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام ,1967 ومفهوم حائط المبكى الذي يراد الاستعاضة به عن حائط البراق (وقع مسؤولون عرب وفلسطينيون كبار ضحية هذا التعبير المنتحل صهيونيا..) ومفهوم كسر الحاجز النفسي بين العرب واسرائيل, وكأن الصراع محض حالة من النفور والتخاصم بلا أرضية مادية وعلل قائمة تتضمن حقوقا مغتصبة للعرب, من عدو يمكن رؤيته حقيقة لا خيالا ووهما. بمزيد من التأمل, سنجد أن هذا التزييف المعرفي يجد صداه في متن الطروحات والحلول المتداولة لقضايا بالغة الأهمية, ففي ما يخص القدس, يتحدثون الآن عن المدينة التي تنطو ي على رموز وعواطف لاتباع الديانات الثلاث.. هكذا بالتساوي وإهمال الوقع المادي والتاريخي للقدس تحت السيادة العربية الاسلامية أو الاسلامية لألف وأربعمائة عام فضلا عن كونها مدينة بناها اليبوسيون العرب منذ 3500 سنة. ويتحدثون عن ارتباط يهودي ممتد بالهيكل وجبل المعبد الموهوم فيما المسجد الأقصى وقبة الصخرة ماثلان للعيان. وحتى ما يدعونه بحائط المبكى, فان وجوده المادي لا الرمزي, محكوم بوثائق قانونية تثبت ملكيته للعرب المسلمين وقوامتهم عليه (تقرير عصبة الأمم عام 1930). ولأن الرمزية قد انتقلت فيما يبدو من عالم الأدب والشعر الى واقع السياسة, فانهم يروجون لمفهوم السيادة الرمزية للفلسطينيين على أحياء وحارات ومعالم دينية مقدسة, معتبرين أن في ذلك إرضاء كاف لتطلعات الجانب الفلسطيني. ولهذه الهزلية المفرطة أصداء وتجليات واضحة في قضية اللاجئين. فثمة بين دعاة الرمزية واحلالها مكان الواقع المادي, من يدعون الى اعتراف اسرائيلي بالمسؤولية الاخلاقية والسياسية عن تهجير ملايين الفلسطينيين. على ألا يكون ذلك مدخلا لتطبيق القانون الدولي العام والشرعية الدولية الفلسطينية العاطفين على حق العودة. وفي التحليل الأخير, لن يتأتى من هكذا أسلوب سوى رد اعتبار شكلي رمزي للاجئين, وستبدو العودة وكأنها تحققت في الخيال. يحدث شئ شبيه بهذا التعامل الرمزي فيما يتعلق بقضية الدولة الفلسطينية, فحينما يرمي البعض الى اقامة هذه الدولة , شريطة ألا تستحوذ على سيادة حقيقية في البر والبحر والجو.. فانهم لا يعنون في الواقع العملي الملموس سوى ظاهرة مفهوم الدولة لا جوهرها كما هو معلوم لدى الكافة. وحينما يحتج البعض على هذا التزييف أو (التزوير في مفاهيم قانونية ثابتة), يسخر المزورون ويتذرعون بأن السيادة تكاد تختفي في عصر العولمة.. وبهذا الدفع الفكري الذي ينبغي تزيين الباطل, يود هؤلاء فيما يبدو أن تكون دولة فلسطين العتيدة, فاتحة الدول التي تأخذ بمفهوم السيادة المعدل. ولو كانت صناعة المفاهيم الزائفة عبر النحت والتغيير واصدار الطبعات المزورة لقاموس الصراع, تتجه بمقاصدها الى كل الأطراف لهان الأمر, ولبحثنا عن أسباب تبررها, مثل تخفيف عبء التاريخ والذاكرة عن الجميع. لكن المدهش أنها عملية تسير في اتجاه واحد فقط, غايته العقل العربي والذاكرة العربية, لا أحد من القائمين على هذه الصناعة المسمومة يحفل بما يحوي العقل الصهيوني الاسرائيلي من مفاهيم زيفها واضح كالصبح. العرب والفلسطينيون هم المطالبون دون خلق الله بالمرونة والمتهمون بالارهاب, والقبول بدولة ذات سيادة وهمية.. الخ, لم يعدل الجانب الآخر أي من مفاهيمه ولا مواثيقه ولا قوانينه أو برامجه التعليمية أو تحالفاته السياسية.. بيد أن الدهشة تزول, حين ندرك أن التسوية التي يراد تمريرها في موكب من المفاهيم الزائفة, غير عادلة بحق العرب والفلسطينيين فقط.. ويعد هذا الموكب أحد الأدوات المساعدة على قبول هؤلاء بما لايمكن القبول به في كنف القاموس الحقيقي للصراع. كاتب فلسطيني ـ القاهرة