يعتبر قصر (شون برون) من أشهر المزارات والمواقع التراثية السياحية في العاصمة النمساوية فيينا, فهو يعكس بواقعية التاريخ العريق لهذا البلد, والحضارة العمرانية والثقافية التي مر بها أهل المملكة في تلك الفترة والتي ترجع إلى عام 1500 تقريبا. الزخارف المتميزة واللمسات الجميلة والفخامة الحقيقية تسيطر على كافة جنبات وزوايا القصر وتترجم حالة الرفاهية التي كان يعيشها أباطرة النمسا الذين كانوا يحكمون 60 مليون نسمة في يوم من الأيام, لم يتبق منهم سوى ثمانية ملايين نسمة اليوم. ولعل أهم ما يلفت النظر في ذلك القصر, وهو ما ينبه إليه جميع المرشدين السياحيين, هو ذلك الممر الذي يربط بين أحد الأجنحة بالآخر, حيث تزين الممر لوحة ضخمة للامبراطور فرانز الأول وهو أول امبراطور للنمسا وثاني امبراطور روماني, ولكن المتعة التي تسلب ألباب السياح وزوار القصر لا تتعلق بالممر وزخرفاته المدهشة, كما انها ليست مرتبطة بحجم لوحة الامبراطور المرسوم وهو واقف مستندا على عصاه, بل أعتقد إذا لم أستطع الجزم ان جميع الذين دخلوا هذا الممر لم يشاهدوا وجه الامبراطور, وذلك لان الأعين تتجه إلى قدمه وبالتحديد حذائه) . لقد رسم حذاء الامبراطور بطريقة فنية عجيبة, فهو يتجه إلى عين كل من يشاهده من كافة الزوايا تماما مثل عين الموناليزا. يكاد البعض لا يصدق المرشد السياحي وهو يقول عند مدخل الممر: الرجاء التركيز على حذاء الامبراطور فهو سيتجه مع حركة الأعين أينما ذهبت.. وبالفعل يصاب الجميع بالدهشة عند نهاية الممر فالحذاء مازال متجها صوب الأعين.. أما الدهشة الحقيقية فتكمن في التساؤل حول ذلك الانجاز, هل هو بالفعل ميزة خالدة للامبراطور الذي تتحول الأعين من رؤية ملامح وجهه إلى التركيز وبتمعن في حذائه!! النمساويون يعتزون كثيرا بماضيهم العريق فهم يخلدون ذكرى الملكة ماريا تريزا ويضعون صورها وتماثيلها في مختلف الأماكن العامة ويطلقون عليها أم أوروبا. ماريا تريزا التي تمتلك أفخم غرفة في قصر شون برون ولكنها للأسف لم تهنأ طوال عمرها بالنوم ولو لمرة واحدة على سرير غرفتها الفخم, وذلك لانها أنجبت 16 مولودا, وأصبح أبناؤها ملوكا في عدد من الدول الأوروبية مثل المجر وبولندا وألمانيا وغيرها. وفي المتحف الوطني يخلد النمساويون ذكرى ملوكهم القدامى ويؤرخون تاريخهم العريق ومملكتهم الضخمة التي كانت في يوم من الأيام من أقوى الدول الأوروبية.. ولعل ما يلفت النظر في ذلك المتحف وجود لوحة (بورتريه) ضخمة للسلطان العثماني سليمان القانوني الذي تولى العرش العثماني عام 1520 وقد كتب بجانب اللوحة السلطان سليمان أخطر عدو للامبراطور النمساوي فرديناند, أما السبب في ذلك فيرجع إلى الحملة التي قام بها واستطاع أن يسيطر على هنغاريا, ويحاصر فيينا لمدة أربعة أسابيع, وحاول خلالها الهجوم على المدينة, في الوقت الذي كانت أوروبا بأكملها تمسك بأنفاسها وتنتظر بقلق نهاية هذا النزاع الذي سيقرر مصير القارة, ولكن الطقس لم يحالف الأتراك بل كان سببا في اخفاقهم, فقد كان المطر يهطل ليل نهار, وكانت خنادق المحاصرين تفيض بالماء, ثم جاء البرد القارس. ففت ذلك في عضد العثمانيين فلم يندفعوا للقتال فرفع سليمان الحصار. ولكنه عاد في عام 1532 واجتاز هنغاريا على رأس جيش قوي, واجتاح الأراضي الوراثية التابعة لآل هابسبورج ملوك النمسا. وبالرغم من ان وضع صورة السلطان سليمان في المتحف باعتباره أخطر أعداء المملكة آنذاك, إلا ان التاريخ يثبت بأنه كان قائدا عظيما منظما, ولذلك لقبه العثمانيون بسليمان القانوني لانه استطاع أن يوطد النظام في سلطنته ويؤمن الرخاء لرعاياه بقوانين مطبوعة بطابع الحكمة والعقل, ويعتبره التاريخ إحدى الشخصيات العظيمة في القرن السادس عشر, ويتمتع بمكانة خاصة ومهمة بين عظماء الرجال الذين كان لهم دور كبير في تقرير مصير أوروبا والعالم في ذلك القرن. ونعود إلى النمساويين الذين يفتخرون بماضيهم العريق ليس في جانب الحكم والسياسة والحرب فقط, وإنما في كافة الأمور الأخرى. بدرجة ان الزائر لهذه العاصمة القديمة والمدينة الجميلة يكاد يعتقد ان هناك انتخابات قريبة في البلاد وهناك مرشح اسمه (موزارت) ينافس للوصول إلى السلطة من خلال صوره المعلقة في معظم الشوارع الرئيسية ومعظم المتاجر بل حتى وعلى القطارات و(المترو).. ولكن ما ان يسأل السائح سيعرف ان موزارت هو رمز تاريخي يعشقه النمساويون لدرجة الجنون حتى بعد رحيله منذ زمان طويل جدا. موسيقى ومعزوفات موزارت تنتشر في كافة أنحاء العاصمة تسمعها في محطات القطارات وفي المراكز التجارية وفي مختلف الاذاعات والقنوات التلفزيونية.. دار الاوبرا تعرض يوميا حفلات موسيقية لمعزوفات موزارت.. والأكثر من ذلك فإن (الشحاتين) الراقين يعزفون في الساحات مقطوعات موزارت ويضعون أمامهم صناديق الشحاتة المتطورة!! وأعتقد ان ولع أهل النمسا بالماضي يذكرنا نحن العرب بولعنا بماضينا العريق حيث لا نملك إلا رصيدنا في التاريخ.. كما أعتقد ان هناك سمة مشتركة بين العرب وأهالي النمسا دفعت أسمهان إلى أن تتغنى بأغنيتها الشهيرة ليالي الأنس في فيينا.. فيينا من هوى الجنة) .. كما ان الممثل العالمي عمر الشريف ساهم في توطيد العلاقات بين العرب والنمساويين حيث قام بتمثيل دور ابن الملكة سيسي وهي إحدى أشهر ملكات النمسا حيث تعتبر أكثرهن جمالا وفتنة, وكان يضرب بمقاس خصرها المثل كما انها كانت تكره حياة القصور والرفاهية.. المهم ان عمر الشريف دخل تاريخ النمسا من خلال فيلمه (مايلينج).. بينما نبقى نحن وإياهم نبكي على تاريخنا وتراثنا العريق!!