مشكلة الفقر العالمية لا تحل باجتماعات ومناقشات حتى لو كانت على مستوى قمة ألفية كالقمة المنعقدة في نيويورك هذا الاسبوع بمشاركة عشرات من رؤساء الدول.. غنيها وفقيرها. ان القضية في اطارها الصحيح تناقض طبقي عالمي يتخذ شكلا جغرافيا ينقسم على اساسه عالم هذا العصر بصورة عريضة الى شمال موسر وجنوب بائس.. وما لم تطور شعوب الجنوب هذا التناقض الماثل الى مقاومة منظمة طويلة النفس فإن الهوة سوف تواصل الاتساع بين شمال يزداد غنى وجنوب يزداد فقرا. والسؤال الذي يجب ان يطرح هو: في مواجهة شمال قوي ومتحد كيف تستطيع الشعوب الفقيرة تكوين جبهة عريضة ومستديمة لاثبات وجودها واختراق طوق الفقر المفروض عليها بخوض صراع طويل المدى ضد مجموعة الدول الصناعية المتقدمة من ظلم عالمي مقنن؟ خلال النصف الثاني من القرن العشرين المنصرم تمكنت مجموعة الدول الفقيرة تكوين ما يشبه مثل هذه الجبهة العريضة باسم (حركة عدم الانحياز) . ورغم ان سجل انجازات هذه الحركة ليس ضخما إلا انها كانت تمثل موتا جماعيا قويا اضطرت مجموعة الدول الغنية للاصغاء اليه وأخذه على مأخذ الجد, وكان هناك عاملان ظرفيان ساعدا على دفع حركة عدم الانحياز الى الامام: اولا ظهور زعامات راديكالية قوية في العالم الثالث من امثال جمال عبدالناصر في العالم العربي وماوتسي تونج في آسيا وجوزيف بروز تيتو في اوروبا وفيدل كاسترو في امريكا اللاتينية. ثانيا وقوف احدى القوتين العظميين وهي الاتحاد السوفييتي بثقله الدولي وراء حركة عدم الانحياز ودعمها الى درجة التحالف معها في مواجهة القطب الدولي الآخر المتمثل في الولايات المتحدة ومعها اوروبا الغربية. ومع زوال هذه الزعامات الراديكالية وعدم ظهور زعامات جديدة في مستوى قوتها واخلاصها لقضايا الشعوب المصيرية وتلاشي الاتحاد السوفييتي كقوة دولية عظمى فقدت حركة عدم الانحياز زخمها وارتدت الى مجرد شكل فاقد المضمون كجبهة عريضة لمجموعة الدول النامية. ان التحدي الذي يواجه شعوب الدول النامية الآن هو اذن اعادة توحيد صفوفها لابتداء صراع ضد الظلم الاقتصادي من اجل نظام اقتصادي عالمي جديد قوامه التكافؤ. ان مجموعة الشعوب الفقيرة لن تستطيع ان تتحرر من الفقر والبؤس لتبلغ مستوى الرخاء والرفاهية السائد بين شعوب الدول الصناعية الرأسمالية بالاعتماد على المنظمات الاقتصادية العالمية القائمة كمنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي فمثل هذه المنظمات ومعها نادي الدول الغنية المسمى (مجموعة السبع) واضيفت اليها مؤخرا روسيا لتكون عضوا ثامنا شكليا, هي التي تقوم بمقتضى سياساتها الموضوعة وممارساتها على ترسيخ اللامساواة الاقتصادية في العالم. ولان بلدانا في شرق آسيا كالصين وماليزيا وسنغافورة ادارت ظهرها لهذه المنظمات وانخرطت في نضال اقتصادي اعتمادا على مواردها الذاتية على طريق استقلاليا فإنها حققت لنفسها تحررا افضى بها الى آفاق التنمية الاقتصادية متسارعة الايقاع. ان المتاح الآن لمجموعة الدول الفقيرة في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية ان تعتبر مجموعة بلدان شرق آسيا نواة للجبهة الموحدة المنشودة او على الاقل نموذجا يحتذى به في التحرر الاقتصادي. غير ان التحرر الاقتصادي رهين بتحرر سياسي اولا. فغالبية دول العالم النامي خاضعة لحكم انظمة تمارس رسالة الحكم نيابة عن مصالح الغرب في اطار معادلة تسمح لقيادات السلطة بالاثراء غير المشروع. ان الشرط الاساسي لقيام جبهة موحدة للدول النامية هو اذن ادراك انفرداي لشعوب هذه الدول كل على حدة, لفساد النظام الحاكم توطئة لاحلال زعامات تتحلى برؤية عبقرية لطبيعة المشهد العالمي الراهن وبالتالي كيفية مجابهته جماعيا.