مر الاسبوع الاول من شهر سبتمبر 2000 وفرنسا تعاني شللا غريبا أتى على كل مجالات الاقتصاد والحياة اليومية: الشلل في المواصلات, حيث توقفت حركة السيارات في الطرقات وفي شوارع المدن والشلل في المصانع التي تتحرك بالبنزين والشلل في المدافىء التي تعمل بالغاز.. مشاهد غير معتادة في هذه الدولة الصناعية حتى المطارات اصابها بعض العطل لنقص كبير في امدادات الكيروسين ليوم الجمعة 8 سبتمبر: 80 بالمئة من محطات البنزين اغلقت واعلنت واعلن محافظو المقاطعات عن تقسيط البنزين والاولوية لسيارات الاسعاف والمطافىء والشرطة والنقل العمومي. بسبب هذا الشلل العام الذي ضرب فرنسا من الغضب الذي اصاب اصحاب الشاحنات والتكاسي وحتى المواطنين العاديين من ارتفاع الضرائب التي توظفها الحكومة الفرنسية على الطاقة النفطية والغاز. لتر البنزين يباع للمواطن بحوالي (دولار وعشرين سنتا) وهو لا يكلف الدولة حين تورده من مصادره الا 20 سنتا يقول مناضلو النقابات ان ذلك السلوك مثبط جدا ويكلف جيوب المواطنين وموازين الشركات اكثر مما تحتمل.. وبالرغم من لقاء توافقي تم بين هذه النقابات والوزير: جايسو وزير النقل فإن قواعد النقابات لم تقتنع وتواصل اليوم فرض حصار بالشاحنات على كل مصانع تكرير النفط في فرنسا لمنع تزويد محطات البنزين واحداث شلل اقتصادي في الدولة. المواجهة ممكنة بين السلطة والمضربين المحاصرين, لأن الحصار لا تنص عليه القوانين, فهو عمل همجي خارج عن القانون, لكن حق الاضراب يضمنه الدستور. المواجهة ممكنة ويذكر الناس كيف تعامل الرئيس الراحل: فرانسوا ميتران مع اضراب الشاحنات عام 1987 حين نفد صبر الحكومة واخرجت الجيش بآلياته الثقيلة تبعد الشاحنات عن الطرقات السريعة بكل حزم وقوة واثبت الرئيس ميتران ان الدولة الديمقراطية تعرف كذلك كيف تكون مهابة وكيف تحمي المواطنين بقوة القانون وبالذراع الحديدية اذا لزم الامر. واليوم عام 2000 ربما سمعنا وزير الداخلية الجديد السيد: فايان يهدد باستعمال القوة ولكننا في انتظار ذلك لا نزال محاصرين وسيارتنا رابضة كالجثث الهامدة بلا طاقة واطفالنا ربما بلا مدارس والاخطر ربما ان يصبح مرضانا بلا مستشفيات. حركة الناس اصبحت محدودة... في حدود محتوى خزان الوقود في السيارة. كل مسافة نقطعها لشراء بعض المواد الغذائية من المحل التجاري هي مسافة محسوبة تكاد تحسب بالمتر, حتى لا نفقد كل بنزين السيارة. حين يعيش المرء هذه الازمة في دولة صناعية من دول اوروبا, يشعر لا محالة بارتباط كل الحياة هنا بالنفط, هذا النفط الذي لا يملكونه هم ونملكه نحن العرب. يشعر المواطن العربي بقيمة ما لديه, فنحن نملك تحت ارضنا وفي مخازننا ذلك الدم الاسود الضروري لشرايين اقتصاد الغرب وهو المقوم الاساسي في حياته والمحرك الرئيسي لكل دواليب النهضة والتصنيع. ومع الاسف نظل نحن تابعين لهذا الغرب في مجالات الصناعة, فهو الذي يورد نفطنا ويحوله الى مواد صناعية تباع لنا غالية جدا من ابرة الخياط الى طائرة النقل مرورا بالسيارة والجرار الزراعي وادوات الحياة اليومية سنظل نحن تابعين لهم جيلا آخر او اكثر حتى نغير ما بأنفسنا ليغير الله سبحانه ما بنا. بالطبع علينا ان نعتبر بالماضي ولا نكرر الاخطاء نفسها. فقد قام القادة العرب على اثر حرب رمضان ـ اكتوبر 73 الى اتخاذ قرارات حظر النفط ثم هبت الدول الغربية والشركات الكبرى منذ ذلك التاريخ لتخطط كيف تحاصرنا نحن وكيف تضربنا نحن. ولعل بعض دولنا استفادت من الدرس القاسي وغيرت سياساتها والبعض الآخر لم يتعظ الى اليوم فتواصلت الشعارات بدون رصيد حقيقي. فالقوة الحقيقية للدول هي الارادة المضمونة النتائج والتعامل مع العصر بمنطق العصر أي بالتخطيط والبحث العلمي واقتحام مجالات الابداع عوضا عن الاستكانة للتبعية بالرغم من كل مصادرنا الطبيعية. ان ما يحدث في فرنسا هذه الايام مدعاة لنا نحن العرب حتى نعتبر ونزيد من الوفاق ما بين سياساتنا حتى نسعى نحو التشاور الصريح الصادق ثم توحيد المواقف في مسائل حساسة كالطاقة, بمنطق اصحاب المصالح والمبادىء... لا اصحاب الشعارات والامزجة. هذا هو الوجه الآخر كذلك للعولمة. فالعولمة هي ايضا لا محالة عولمة التكتلات المؤسسة على المصالح المشتركة وحماية حقوق الشعوب باقرار التضامن الحقيقي والعمودي بينها في التربية والثقافة والتجارة وحرية النقل. فالعالم من حولنا يحتاج الينا والى طاقتنا ويحتاج الينا كذلك استراتيجيا ويخطط لحماية مصالحه وخدمة اغراضه.. ولسنا دائما نحن العرب في مستوى هذه المسئوليات. والذي تعيشه فرنسا في تعاملها اليوم مع الطاقة يجب ان يدفعنا للاعتبار واستخلاص الدرس على كل الاصعدة.