مع تصاعد الحديث عن ايجاد حل معقول لمستقبل مدينة القدس في اطار مفاوضات الوضع الدائم باعتبارها العائق الاساسي لانجاز اتفاق نهائي فلسطيني ـ اسرائيلي يتضح, حجم الاثار العدوانية للسياسة الاسرائيلية على المدينة بمقدساتها الاسلامية والمسيحية وسكانها العرب, حيث ادت سياسة التهويد الى احداث تغيير جذري في طابع المدينة الجغرافي والسكاني والتاريخي جعل من الصعوبة البحث في مستقبل المدينة ومصيرها وفق قرارات الامم المتحدة الصادرة بشأنها, وادت هذه السياسة الى ما يشبه تحقيق امر واقع عملت الحكومات الاسرائيلية المتتالية على تكريسه طوال العقود الماضية فحتى الاقتراح الدولي عام 1948 بأن تصبح القدس جزءا من دولة عربية ويحصل السكان اليهود فيها على حقوق الحكم الذاتي لم تعد قائمة بل بات مصير المدينة على كف عفريت اسرائيلي, ومسألة حسم السيادة الاسرائيلية على المدينة لم تعد تحتاج سوى الرتوش قبل اعلان الحسم رسميا وبمشاركة المجتمع الدولي, ومن المؤسف ان كل ذلك جرى ويجري دون ان يكون للطرف الفلسطيني العربي, الاسلامي, المسيحي خطة واضحة محلية واقليمية ودولية لمواجهة الابتلاع اليهودي للمدينة المقدسة, ولا احد يدري ماذا سيقول هؤلاء جميعا لاجيال الغد بشأن القدس التي هي واحدة من اهم المدن العربية واقدمها, تختزن تراث وتاريخ ونضالات الامة العربية والاسلامية, يقينا ان هؤلاء جميعا (النائمون في العسل) ليس عندهم قول سوى ان المتغيرات الدولية والعولمة والنظام العالمي الجديد فعلت كل ذلك دون ان يفعلوا هم شىئا سوى اصدار بيانات التنديد والاستنكار وهو الامر الذي احبته المنظمات الصهيونية واليهودية المتطرفة كثيرا والتي نجمت في اقل من نصف قرن على تحويل مدينة عربية اسلامية مسيحية مقدسة الى مدينة يهودية ضخمة عاصمة ابدية لدولة اسرائىل. * نصف قرن من العدوان مأساة القدس بدأت في ابريل عام 1948 عندما بسطت اسرائيل سيطرتها على الجزء الغربي واتخذت منه عاصمة لدولتها, وباشرت بتدمير الاحياء العربية, فعلى انقاض حي الشيخ بدر في قلب القدس الغربية شيدت اسرائيل مبنى الكنيست ومقر رئيس الحكومة والمحكمة العليا, وفي حرب يونيو عام 1967 اكملت اسرائىل احتلالها للقدس الشرقية وعدت القدس الموحدة عاصمة ابدية لها وباشرت ببرنامج عمل يومي في اتجاهين: الاول طرد السكان العرب من المدينة وجلب اليهود من انحاء العالم للاستيطان فيها. والثاني: مصادرة الاراضي والاحياء العربية وهدم المنازل الفلسطينية واقامة المستوطنات وشق الطرق الالتفافية في الاحياء وحول المدينة تمهيدا لتغيير الخريطة الديمغرافية للمدينة, وقد جرى كل ذلك في اطار العقيدة الدينية والسياسية للحركة الصهيونية, ولعل لغة الارقام هي افصح اللغات في التعبير عن المأساة التي لحقت بهذه المدينة خلال نصف قرن. ففي الوقت الذي كانت فيه نسبة اليهود في القدس لا تزيد عن 4 بالمئة في عام 1948 وصلت هذه النسبة في القدس الغربية الى 90 بالمئة مقابل 10 بالمئة للفلسطينيين, وفي القدس الشرقية التي لم يكن فيها يهود تقريبا وصلت نسبتهم الى 48 بالمئة مقابل 52 بالمئة للعرب, وبلغ عدد السكان اليهود اكثر من نصف مليون نسمة من اصل مليون ومئة ألف تقريبا في عموم القدس (القدس العظمى), كما وسعت سلطات الاحتلال من الحدود البلدية للمدينة بطريقة مذهلة, ففي الوقت الذي لم تكن مساحة المدينة قبل عدوان يونيو 1967 تتجاوز 6.5 كم2 في اطار ما يسمى بـ (القدس العظمى) لتصبح بذلك من اكبر مدن العالم من حيث المساحة البلدية والادارية, وقد تطلب ذلك ضم العشرات من القرى والبلدان والمناطق العربية واضحت حدود مدينة القدس شمالا حدود مدينة رام الله وشرقا ابو ديس وجنوبا بيت جالا بمحاذاة مدينة بيت لحم مهد السيد المسيح عليه السلام, واضحت مساحة القدس تعادل ثلاثين بالمئة من مساحة الضفة الغربية, ووفق الخطط الاستيطانية يمكن ضم مدن رام الله, البيرة, بيت لحم, بيت جالا, بيت ساحور ونحو 60 قرية عربية اخرى الى الحدود الادارية للمدينة. ومع المضي قدما في سياسة التهويد تحدق الاخطار الكبرى بالمقدسات الاسلامية والمسيحية في المدينة, اذ تعمل المنظمات الصهيونية واليهودية المتطرفة وعلى رأسها حركة امناء الجبل الهيكل للاستيلاء على جميع الاماكن والآثار الاسلامية وفي المقدمة المسجد الاقصى. فالحفريات الاسرائيلية في منطقة المسجد الاقصى مستمرة بحثا عن هيكل سليمان لاعادة بنائه على انقاض المسجد وحركة المليونير اليهودي ارفينج موسكو فيتش تندرج في هذا السياق, وقد تحول حائط البراق الذي كان احد اركان المسجد الاقصى الى حائط المبكي الذي اضحى مكانا للصلاة والعبادة اليهودية ومزارا ليهود العالم, مفضلا عن ان اسرائىل ازالت العديد من المقابر الاسلامية منها مقبرة قريبة من المسجد الاقصى تضم رفاة الصحابيين: عبادة بن الصامت وشداد بن أوس. اما بالنسبة للمسيحيين العرب فقد تناقصت اعدادهم في المدينة بشكل كبير, ففي الوقت الذي كان عددهم يناهز في عام 1928 اكثر من 175 ألف نسمة انخفض الى 25 ألف نسمة في عام 1967 لم يبق منهم حسب الاحصائيات الاخيرة سوى بضعة آلاف, والسبب الاول في هذا الانخفاض الكبير هروبهم من المدينة جراء المعاناة الشديدة في مواجهة سياسات سلطات الاحتلال, وقد طالت سياسة التهويد الاماكن المسيحية المقدسة في المدينة وان كان بشكل اقل من المقدسات الاسلامية. في الواقع تفصح سياسة التهويد والاستيطان والتوسيع عن رؤية صهيونية ـ اسرائيلية مبكرة لمصير المدينة المقدسة. ومع ادراك هذه الرؤية للاعتبارات التاريخية والدينية والتشريعية المرتبطة بالديانات السماوية دخلت اسرائيل منذ البداية في سباق مع الزمن بغية فرض سياستها كأمر واقع, ولعل اصرار اسرائىل اثناء توقيع اتفاق اوسلو على تأجيل البحث في مصير المدينة الى مرحلة ما بعد الانسحابات من مناطق محددة في الضفة الغربية تنم عن هذه السياسة الهادفة الى فرض السيادة الاسرائيلية على كامل المدينة وباعتراف من المجتمع الدولي, وبهذه السياسة جعلت اسرائيل من القرارات الدولية الصادرة عن الامم المتحدة وباقي المنظمات الدولية بخصوص مدينة القدس, وكذلك جميع المشاريع الدولية سواء تلك التي اقترحت وضع المدينة تحت سيادة دولية او اقترحت وضع القسم الشرقي منها تحت السيادة العربية والغربي تحت السيادة الاسرائيلية او تلك التي اقترحت تقسيمها الى وحدات ذات حكم ذاتي فإن السياسة العدوانية الاسرائيلية جعلت من كل هذه القرارات والمشاريع امورا مثالية لا يمكن البحث فيها في ظل سياسة امر الواقع الاسرائيلية, بل والأنكى من كل هذا ان الغرب وبلسان القطب الامريكي يقول: ان مجرد قبول اسرائىل بمناقشة مشاركة الفلسطينيين في وضع شرقي القدس هو خيار عقلاني يندرج في اطار التنازل المقبول بهدف ايجاد حل سلمي لمشكلة القدس والتطلع الى تحقيق السلام مع العرب في حين على المستوى الفلسطيني والعربي (الرسمي) اضحت مسألة المدينة العربية الاسلامية المقدسة الموغلة في القدم وذات المكانة المقدسة في التاريخ والتراث والهوية والمواقف مسألة بحاجة الى الاعتراف بالسيطرة الفلسطينية الشكلية على بعض الاحياء في شرقي القدس والوصول الى الاماكن المقدسة حتى لو كان هذا الوصول عبر الانفاق وتحت الجسور دون الاحتكاك بـ (شعب الله المختار) وذلك في استيراد للحلول من نوع ما قبلت به الفاتيكان في روما دون الافصاح عن ذلك! ان ما يخطط حاليا لمصير القدس باسم الوضع النهائي هو بمثابة ناقوس خطر لئلا يستيقظ العرب والمسلمون من سباتهم بعد نصف قرن من الغياب والابتلاع اليهودي المنظم للمدينة وتغيير هويتها الحضارية. ودون مواربة الاعتراف بحق الفلسطينيين في الاشراف على بعض الاحياء في شرقي القدس مع حرية الوصول الى الاماكن المقدسة يعني الاعتراف في المقابل بالسيادة الاسرائيلية على كامل القدس والاقرار بأنها عاصمة ابدية للدولة الاسرائيلية. وهو يعني التسليم بأن القدس اضحت مدينة اسرائيلية في لحظة ضعف تاريخية... مع العلم ان التاريخ في انعطافاته وتحولاته يسلك دروبا حاسمة وفي حال القدس تحديدا, اذ يعلمنا التاريخ ان المدينة المقدسة تعرضت لاكثر من عشر عمليات غزو واحتلال ولكن العرب والمسلمين كانوا دائما قادرين على تحريرها واستعادتها وواقع القدس بين الاضاعة والتقسيم في يومنا هذا يفرض على الجميع وفي المقدمة الفلسطينيين الغرف من هذا النبع التاريخي الهائل المفجر بالطاقات حتى النهاية. كاتب سوري