قبل عام ونصف تقريبا, حين كان الضجيج يملأ الساحة السياسية والاعلامية الفلسطينية حول ما سيحدث في الرابع من مايو عام 1999 باعتباره نهاية المرحلة الانتقالية, كنت واحدا من قلة قليلة جدا لم تؤخذ بهذه الضجة, وكان رأيي المعلن انه سيمر, كبقية الايام, يوما عاديا في حياة الشعب الفلسطيني. ومن باب التندر وصفته بأنه اليوم الذي يلي الثالث من مايو. ومنذ اشهر ايضا, وحتى الآن وفي حمى التصريحات والخطابات والبيانات, والقرارات ايضا عن اعلان الدولة الفلسطينية في الثالث عشر من سبتمبر ـ او كما يحب بعض السياسيين استخدام تعبير بسط السيادة بدل اعلان الدولة ـ لم اتردد في القول ان شيئا ما لن يعلن في الثالث عشر من سبتمبر. برغم كل قرارات المجلس المركزي السابقة واللاحقة. ولم يكن هذان الموقفان فراسة زائدة, ولا بعد نظر او بصيرة نافذة اكثر من الآخرين, لكنهما جاءا نتيجة قراءة معمقة للواقع الفلسطيني, وربما نتيجة قدر من الدراية بالخطاب السياسي الفلسطيني, وطبيعة توجهاته التي تتقدم فيها الحسابات الخارجية على الحسابات الداخلية. فمنذ ان خطا الطرف الفلسطيني اولى خطواته في طريق التسوية عبر المفاوضات, فهو قد اتخذ قراره بأن تأتي دولته نتيجة لعملية التسوية وليس سابقة لها, ولأنه يدرك المعاني والتبعات التي تترتب على اي اعلان من جانب واحد قد يقدم عليه. وقد اكدت له ذلك النصائح من جهة, والضغوطات من جهة أخرى, التي تلقاها عبر جولاته واتصالاته العربية والدولية. فالجانب الفلسطيني يدرك ان اعلان الدولة او بسط السيادة من جانب واحد يعني تغييرا نوعيا وكليا في النهج السياسي القائم, وايقافا للعملية التفاوضية, بل إلغاء لكل الاتفاقات التي وقعها سابقا, السياسية والاقتصادية. وهذا الموقف يعطي مباشرة مضمونا كفاحيا للدولة المعلنة, ودعوة صريحة لمواصلة النضال لتحرير بقية الارض وانتزاع بقية الحقوق التي لم يستطع الحصول عليها بالمفاوضات . فهل يرى الجانب الفلسطيني نفسه مستعدا لمثل هذه المعركة, وهل هيأ نفسه لذلك؟ من ناحية اخرى يضع الجانب الفلسطيني في حسابه رد الفعل الاسرائيلي المحتمل, وشبه المعلن, على اعلان الدولة ـ ولا اعني هنا اعادة احتلال مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية فذلك مستبعد جدا ـ وانما على الاقل وقف اية انسحابات اخرى من الاراضي المحتلة, واتخاذ اجراءات عقابية اقتصادية كإغلاق المعابر الخارجية والداخلية, ومنع العمال الفلسطينيين من العمل, واطلاق عجلة الاستيطان وذئاب المستوطنين. وهو ما يعني ايضا فتح ابواب الصراع بكل اشكاله مع المحتل الاسرائيلي. فهل هيأت السلطة الوطنية نفسها وشعبها لذلك؟ واعدت عدتها لمواجهته؟ من ناحية ثالثة يدرك الجانب الفلسطيني ان مثل هذه الدولة لن تحظى بالاعتراف الاسرائيلي والامريكي ولا الاوروبي ايضا, هذا اذا ما لم يتردد بعض العرب في الاعتراف بها. وبالنتيجة قد لا تتمكن هذه الدولة من الحصول على عضوية الامم المتحدة. هذا فضلا عن توقف المعونات والمنح الخارجية التي تعيش عليها الدولة. ومرة ثالثة هل هيأ الطرف الفلسطيني نفسه لهذه المعركة الدولية؟ اعتقد ان الطرف الفلسطيني يضع هذه الاعتبارات كلها في حسابه, ويوازنها مع استعداداته وواقعه وامكانياته التي لم يولها الاهتمام الكافي, ولم يهيئها لمثل هذه اللحظة, فيميل الى التردد في الاعلان عن الدولة, وينحو منحى التأجيل, استجابة لنصائح الناصحين طوعا او كرها او على مضض. حتى لو ادى التأجيل المتكرر الى هز مصداقية خطابه السياسي لدى الشعب. فذلك من وجهة نظر السياسة الفلسطينية التي تقدم كما اشرنا, الاعتبارات الخارجية على الاعتبارات الداخلية, يعتبر اهون الشرور, او هو مقدور عليه, ويمكن معالجته بوسائل مختلفة. ومنذ اصبح موضوع الدولة الفلسطينية موضوعا متداولا في الساحة الدولية, وبات مرهونا بنتائج هذه المفاوضات. بل اصبح موضوعا من موضوعاتها, وتجري المساومة عليه كما تجري على القضايا الاخرى. والخشية هنا ـ امام اللهفة عليه ـ ان يخضع للمقايضة عليه بقضايا اخرى او بالتنازل عن اجزاء منها. لذلك, ومن اجل النجاة به من ان يكون موضوعا للمساومة, ومن اجل النجاة بالقضايا الاخرى من ان تنتقص او تقلص لحسابه, يجب اخراجه من سوق التداول, واستبعاده من قضايا البحث على طاولة المفاوضات. فهو حق للطرف الفلسطيني وله وحده اقراره والتصرف فيه, حتى لو قرر تأجيله لاعتبارات مقنعة او غير مقنعة لشعبه ولأصدقائه, ولا يجوز اشراك احد غيره في اقراره او حتى بحثه. ذلك ان الدخول به في هذه المتاهة ينتقص من سيادة الدولة قبل ان تقوم, ويضع بيد العدو الاسرائيلي والامريكي تحديد شروط سيادتها البرية والجوية والبحرية. وعلاقاتها الخارجية والدفاعية والاقتصادية. والاولى ان ينصب الجهد الفلسطيني على انتزاع حق العودة للاجئين الى اراضيهم وممتلكاتهم التي طردوا منها, وانتزاع مقومات هذه الدولة من القدس الى الارض الى المياه, الى ازالة الاستيطان ورحيل المستوطنين. وحين ينجح في ذلك فإنه يضع الاساس المتين لدولته, ويخرجها من دائرة المساومة عليها او مقايضتها بحقوقه, ولن تعود الدولة حينها بحاجة لإعلان احد, فهي ستتكفل بالإعلان عن نفسها وسيادتها.