شكلت الانتخابات اللبنانية ظاهرة بحد ذاتها فبينما لهذه الانتخابات بعد وطني لبناني اذ وحدت جنوب البلاد مع شماله للمرة الاولى منذ الانسحاب الاسرائيلي, إلا انها انتخابات ديمقراطية تعني العالم العربي لانها تمت في ظل وجود تنافس سلمي وصراع متبلور بين قوى ورؤى وتوجهات بين اللوائح اللبنانية. في هذا الاطار, ما وقع في لبنان يمثل انتصارا لامكانات العمل السياسي والديمقراطي. فالسياسة التي تثبتها صناديق الاقتراع تختلف عن السياسة التي يصنعها انقلاب او يمسك بزمامها اقلية لا يؤيدها قرار الاقتراع وصراع الانتخابات, هكذا نكتشف ان الانتخابات اللبنانية تلخص صورة الصراع السياسي في العالم العربي الاوسع وذلك في ظل اجواء دستورية متأزمة وحرجة ودقيقة. لكن الاهم في هذه الانتخابات ان حصولها يساعد لبنان على التقدم نحو مواجهة الاشكالات والمعادلات والاصلاحات وذلك عوضا عن التأزم حول مضامين وأخطاء المراحل السابقة, لهذا فالوعد الجديد باعادة الامل في لبنان من خلال معادلة تجمع بين العودة الى بناء اقتصادي وبين البحث عن توازن اجتماعي هو محرك المرحلة الجديدة لقد انتج التغير السلمي في لبنان جدلا قد يحرك المجتمع ومؤسساته من لحظة تاريخية الى اخرى ومن هنا تنبع قيمته الاوسع. ان حالة الانفتاح والاقبال في الانتخابات اللبنانية الاخيرة لم تأت من فراغ. فلقد دخلت التجربة اللبنانية السياسية كل المنعطفات ووقفت عند كل المحطات, فقد جربت الصراع الاهلي لتكتشف دمويته وعدميته وجربت المنطق الثوري لتكتشف محدودية الثورة فيه, وجربت طريق البناء السريع والمكثف من خلال اسلوب حكومة الحريري الاولى منذ العام 1992 حتى العام 1998 لتكتشف ان المواطن لا يصله البناء الاقتصادي الاوسع بالسرعة الضرورية وذلك لحل مشكلات الخبز والحياة, ثم جربت مدرسة الحص التي سعت لانصاف المواطن وتخفيف زخم اعادة البناء ليصاب الاقتصاد الاوسع بالجمود والبطالة تجربة كل مرحلة بزخم وحماس وهو الذي ميز التجربة اللبنانية وهو الذي قد يساهم في انضاجها. ويتبين من التجربة المتبلورة في لبنان ان صناديق الاقتراع الحقيقية والصراع السياسي الحاد من حولها يساهم في نهاية اليوم ببناء ادارة افضل للصراع السياسي بين تيارات المجتمع ويشحذ القدرات لصالح السياسة. فالانتخابات ونتائجها وفرز سياسيين حقيقيين ينتصرون في مراحل وينهزمون في مراحل اخرى هو اساس السياسة الحديثة وممارستها السياسية بتعبيرها عن مصالح المجتمع وسعيها لبناء تحالفات وتشكيل كتل وطرح مشاريع وبرامج هي التي تعمقت اليوم في لبنان وهي التي ينظر اليها المجتمع العربي الاوسع بنوع من الاعجاب والتساؤل. ان الانتخابات التي تنتج صراعا حقيقيا بين كتل وفئات هي عدوى قادمة وستنتشر في بقاع العرب, هذه العدوى جزء من طموحات الجيل العربي الجديد وجزء ايضا من المستقبل العربي, ومن لا يمارسها في السنوات المقبلة يواجه مخاسر داخلية وخارجية تتكثف مع الوقت, الانتخابات الحرة ستكون الشكل الجديد للحياة السياسية العربية في هذا العقد وفي نهاياته ومن يعي ذلك من النخب العربية فعليه ان يمهد لها ويحضر نفسه ومجتمعه لخوضها ولممارستها بإنصاف وجدية في لبنان نجد أول الغيث ولكن في التجارب العربية الاخرى تعبيرات لا تقل اهمية: من الكويت الى الاردن ومن اليمن الى الجزائر تعبيرات تشير الى الاتجاه, وفي دول اخرى في الخليج وفي مصر وفلسطين والمغرب وغيرها انتخابات للبلدية واخرى لمجالس واخرى لبرلمانات تمهد للمسرح السياسي الاوسع حيث تحاول الديمقراطية العربية اكتشاف هويتها من الانتخابات اللبنانية الاخيرة جاء صوت جديد ولا يزال صداه يتردد في الوسط العربي. استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت