فاقت حيل وأساليب الاحتيال الالكتروني كل ما نقلته لنا كتب التراث العربي من أخبار الحمقى والمحتالين الذين تندر العرب قديما بحكاياتهم. ويبدو ان فصائل المحتالين واللصوص تطور أدواتها لتتماشى مع العصر, وأحيانا يفاجئون العلماء والمخترعين بأساليب اجرامية لم يكن يتخيلونها, ولم يضعوها في حسابهم, ولم يتخذوا الاجراءات الوقائية لمنعها. فمع ظهور (الكمبيوتر) أو الحاسوب كما شاع في لفظه المعرب, شاعت قصص وراجت حكايات مذهلة عن قراصنة الكمبيوتر, وهم ليسوا سوى نسخ مطورة لقراصنة السفن في العصور الوسطى, أو قطاع الطرق, الذين كانوا يفاجئون القوافل المسالمة التي تقطع الأميال بحرا وبرا لنسج صلات وصل بين الشعوب, وتواصل رحلاتها صيفا وشتاء لنقل البضائع والسلع, ومعها العادات والثقافات في مهمة نادرة للتواصل الإنساني بين الشعوب. وكان هدف قراصنة السفن وقطاع الطرق الاستيلاء على ثروات القوافل بالقوة وفي معظم الأحوال قتل أصحابها, أما قراصنة الكمبيوتر, فهم يتسللون عن بعد, وهم يضغطون على (فأرة) الكمبيوتر, إلى مواقع شركات وربما هيئات حكومية أو مصارف, لسرقة وثائق سرية لابتزاز أصحابها, أو بيعها لمن يريد وبأي سعر. ورغم كل البرامج الوقائية لم تنقطع جرائم القرصنة الالكترونية, بل طورت معها أشكالا جديدة من الاحتيال عبر الانترنت, ويكون الضحايا دائما من أصحاب النوايا الطيبة, والقلوب الخيّرة المملوءة بحب الخير والمجبولة على صنعه من أجل اسعاد المحتاجين. وأحدث صيحة في عالم الاحتيال الالكتروني ما نشر أمس حول ضبط السلطات الأمنية الأردنية أسرة محتالة, استولت على مبالغ طائلة من فاعل خير تحت اسم مساعدة التلاميذ الفقراء وعلاجهم, وظلوا يستنزفون أمواله, بعد أن تسللوا إلى موقعه على الانترنت, إلى أن انفتحت شهيتهم للاحتيال باسم الدين, واقترحوا عليه المساعدة في بناء مسجد, ولولا سفر ممثله إلى الأردن, ما كان اكتشفهم, وأوقف مسلسل احتيالهم الالكتروني. ان الاحتيال الالكتروني يثير قضية أخلاقية, تنحصر في خطورة تأثير جرائم المحتالين على تآكل مساحة الخير في المجتمع, فهؤلاء بجرائمهم يجففون ينابيع عمل الخير والتسابق من أجله, ويجعلون هاجس الوقوع في مشاكلهم الشيطانية يسيطر على البشر, ويدخلون الجميع في دوامة الشك المتبادل. لذا يجب ألا تتساهل التشريعات مع المحتال الالكتروني أو (القرصان) العصري حتى لا يتزايد عدد ضحاياه, أو تجف ينابيع الخير التي تحفظ للمجتمع توازنه, وتحقق قيمة التكافل, وتمنحه صحته وعافيته الأخلاقية. سيد زهران