بعيداً عما يفرضه الواقع اليومي للأشياء بشكلها النمطي, فإن واقعاً آخر يرسم صورة مختلفة للتفاصيل الصغيرة التي نتجاهلها أحياناً بقصد وأحياناً دون تعمد, وكثيرة هي الأشياء التي تبدأ صغيرة وتتواصل لتعلن عن اسمها وشكلها وحضورها وتميزها.. فنحن نصادف يومياً تغيّرا في المفاهيم ونجزم بأن شيئا ما قد تغير, ونبحث لنكتشف ان التغيير لم تطرحه الصدفة, بل طرحته الفكرة. من هنا نجد اننا في حاجة إلى من يلتقط الأفكار المتساقطة كالحجارة على قارعة الطريق ويطلقها لتتحول إلى قيم ومعانٍ.. فمن هذا الباب المثير دخلت الإنسانية إلى عوالم الفن والثقافة والتحضر والمدنية وتواصلت وما زالت ترسم وجهها عبر ما تحمله الأفكار وما يستشرفه الإنسان من رؤى وتصورات, ولأن الحياة دون الانطلاقة الجديدة والفكرة المثيرة تظل باهتة ورتيبة فقد حبانا الله بنعمة الابتكار والتجديد والتقاط الأفكار وتطويعها, ولو لم تكن تلك الملكة لعاش الإنسان في بدائيته المطلقة. ولأن الأفكار العظيمة غالبا ما تطبع شكلها على أوراق الحياة, ولأن الحياة نفسها لا تحلو إلا بالأفكار المثيرة, نجد ان هناك أشخاصا لا يحلو لهم إلا توليد الفكرة واستنطاقها لتصبح مشروعاً مثيراً, ومن هؤلاء الشاب الأمريكي بيتي كوندون, الذي ابتكر طريقة جديدة للبحث عن وظيفة, إذ كتب مؤهلاته على قميصه وسار في شوارع اتلانتا مع عبارة تقول (مستعد للعمل براتب 25 ألف دولار في السنة) وسجل رقم هاتفه في نهاية الجملة, وما هي إلا أيام حتى وجد من يهاتفه ويعرض عليه العمل في حقل التسويق والاعلان براتب كبير لأن الفكرة التي طرحها جديدة غير مسبوقة.. هكذا وجد بيتي كوندون بفكرته المثيرة عرضا رائعا وهو الذي عانى لمدة ثلاث سنوات من بطالة حقيقية! وقديما قالوا: الفكرة تولد الفكرة, مثلما هو المال ينجب المال, وحتى لا أدخلك في نفق المال أبعدك عن فكرة هل تريد أن تصبح مليونيرا؟ وأتركك تتواصل مع فكرة هل تريد أن تصبح رائد فضاء؟ يبدو أن الروس بعد أن ضاقوا ذرعا بممتلكاتهم السابقة التي تستنزف أموال الدولة قرروا التحول إلى بيع أفكارهم للغير, فقد توصل مستثمرون غربيون إلى اتفاق لتحويل محطة الفضاء الروسية المتهالكة مير إلى مزار سياحي يدر أموالا في خطة للابقاء على المحطة المدارية التي أطلقت قبل 14 عاما من خلال برنامج تلفزيوني يكافأ الفائز فيه برحلة إلى الفضاء. ولأن الأفكار تتواصل في هذا الزمن الذي يعتمد على الاثارة فقد تفتقت قريحة موظف سابق في جهاز الأمن الكولومبي عن حبكة مثيرة وهي استغلال الجرائم المنتشرة في البلاد في تقديم حكاياتها إلى كتَّاب الروايات البوليسية لتكون مصدر إلهام لروايات وأفلام سينمائية, وبالتالي ربما يمكن لكتابة الروايات البوليسية أن تصبح أحد الصادرات بعد البن الكولومبي ... ربما! ومن بين ركام الأفكار المثيرة التقط ورقة قديمة تعود إلى العام 1948 هي في مجملها حكاية نشرت في الصحافة المصرية آنذاك بطلها الفنان الكبير يوسف وهبي, وتعتمد اعتمادا كليا على التقاط الفكرة وتدويرها بشكل يتناسب والحدث القائم, يقول الفنان يوسف وهبي في حكايته: كنت طالبا في معهد التمثيل العالي بمدينة ميلانو الايطالية, فلما حلت اجازة الصيف ذهبت إلى بلدة (استريزا) لقضاء فترة الاجازة فيها, وفي الفندق الذي نزلت به رأيت غانية رائعة الجمال, فارعة القوام تجلس على مائدة الطعام مع عجوز قصير القامة, ضخم الجثة. وأخبرني رئيس الخدم ان الحسناء هي فيرا فيرجاني ممثلة المسرح والسينما الشهيرة, وأما السيد الجالس معها فهو البرنس دي نابولي آخر سلالة أمراء نابولي. وقرأت يوما إعلانا في بهو الفندق عن حفلة خيرية ستقام فيه وتشترك فيها فيرا فيرجاني مع المغني تيتا روفو والممثل الشهير زاكوني الذي قرأت في الاعلان انه سيلقي قطعة شعرية من رواية (الملك لير) لشكسبير, فقلت لنفسي: لماذا لا أشترك أنا أيضا في احياء هذه الحفلة؟ وكان أن تقدمت إلى البرنس دي نابولي وأبديت رغبتي في الاشتراك مدعيا انني من أساطين المسرح المصري, وكم كان سروري ودهشتي عندما رحب بي شاكرا! وقد سألني عما أساهم به فقلت انني أريد القاء نفس القطعة التي سيلقيها زاكوني العظيم من رواية الملك لير.. وعندما بدأت الحفلة التي حضرها عظماء الايطاليين وأثرياؤهم أحسست بأنني أرتعد خوفا وأخذت ألوم نفسي على هذه المغامرة من أجل امرأة, وظهر زاكوني فهز المشاعر بعظمة فنه وقوة صوته وهو يلقي المقطوعة. وكان عليَّ أن أعتلي المسرح بعده لألقي نفس المقطوعة, وجاءت الفكرة المثيرة وهي أن ألقيها بشكل آخر, معتمدا على اللون الساخر الذي أسسه البارودي حيث تتحول القطعة الدراماتيكية إلى هزلية مع تقليد زاكوني بحركات واشارات مضحكة, وبدأت فعلا في القاء القطعة والكل في وجوم وصمت, وكأني أقرأ في عيونهم علامات التساؤل عن هذا الفنان الأفاق الذي وقف يتحدى زاكوني العظيم! ولكن وقعت المعجزة, فما كدت أصل إلى منتصف القطعة حتى رأيت فاتنتي فيرا فيرجاني تتمايل يمينا وشمالا وهي تضحك وتمسح عيونها, كما رأيت الأمير وقد راح يهتز من شدة الضحك, ولما انتهيت دوت الصالة بالتصفيق وتقدم الجميع لتهنئتي وفي مقدمتهم فيرا الجميلة.. هكذا التقط وهبي الفكرة من قارعة الطريق ووظفها فأنجبت فناً, وهكذا هي الأشياء تبدأ من فكرة متوقدة وتصبح عملا يشار له بالبنان فهل تجرب عزيزي القارئ توليد الأفكار المتساقطة هنا وهناك؟