رغم شيوع حرية الممارسة الجنسية على نطاق اباحي في الولايات المتحدة فإن المجتمع الامريكي يرتد الآن في عقد الزيجات الى اسلوب (الخاطبة) الذي تلاشى في المجتمعات الحضرية, في العالم العربي ولم يعد معتمدا الا في المجتمعات الريفية المحافظة. و(الخاطبة) في امريكا تتخذ اسم (الانترنت) ! جذور الظاهرة تتصل بالطبيعة المادية الصرفة للنظام الرأسمالي عندما يبلغ اعلى ذراه ومراتبه فيكون العمل المأجور الذي يوفر دخلا متصاعدا للأفراد وفقا لمعدل الانتاجية الفردي هو الغاية والوسيلة في آن معا. فالشعار غير المعلن في المجتمع الامريكي ليس (نعمل من اجل ان نعيش) وانما (نعيش من اجل ان نعمل) . باستثناء ساعات النوم لم يعد لأفراد الطبقة الوسطى في امريكا ـ المهنيين العاملين بأجر من فنيين ومعلمين وأطباء واداريين وقانونيين ومهندسين الخ ـ فائض وقت كبير لممارسة علاقات اجتماعية ذات معنى. فمكان العمل صار المحور الرئيسي للحياة اليومية من اول النهار الى آخره. ومن هنا يواجه ابناء هذه الطبقة الكبرى رجالا ونساء مشكلة اتخاذ القرار المصيري بشأن الاقتران بزوجة او زوج. فليس هناك متسع من الوقت في الحياة اليومية للشاب او الشابة للانخراط في علاقة جادة مع شخص آخر من خلال عملية الاستكشاف التدريجي لأي من الطرفين لشخصية الطرف الآخر. والحديث هنا ليس عن العلاقات الجنسية العابرة. فالاباحية الجنسية خارج اطار الزوجية في المجتمع الامريكي بلا حدود. وانما تتعلق المشكلة المتنامية الآن بالاختيار الواعي الجاد لرفيق حياة مستديم تحت مظلة علاقة زوجية. هذا غير متاح لأن كل يوم تقريبا صار مقسما بين ساعات طويلة يستغرقها العمل وسويعات للراحة فقط. هنا نشأت الحاجة الى اسلوب (الخاطبة) . ولأن الطلب يخلق العرض فإنه منذ دخول امريكا عصر (الانترنت) فإنه يتوالى ظهور مواقع لشركات تتخصص في تجارة جديدة قوامها التوفيق بين رجل وامرأة يبحثان عن علاقة زوجية. ومن الواضح ان اساس هذه التجارة المستحدثة معلوماتي. فالخدمة التي تقدمها مثل هذه الشركات لمن يطلبها من رجال او نساء هي ان تتوصل في كل حالة الى معادلة تماثل بين رجل وامرأة اعتمادا على المفردات المعلوماتية الشخصية التي يتقدم بها اصحاب الطلبات من الجنسين. وبالطبع تتقاضى هذه الشركات رسوما نقدية على خدماتها. واذا تجاوزت عن السمة الالكترونية المتقدمة للانترنت والكمبيوتر ونفذت بذهنك الى جوهر هذه الظاهرة التجارية العصرية فإنك لابد ان تكتشف انها مجرد تطوير لإسلوب (الخاطبة) الذي كان شائعا في المجتمعات الحضرية في البلدان العربية حتى وقت قريب. فصار الآن محصورا في المجتمعات الريفية المحافظة. أليس غريبا اذن ان المجتمع الرأسمالي المتقدم عندما يبلغ اعلى ذراه في الانطلاق الاقتصادي المادي يرتد على الصعيد الاجتماعي الى مستوى المجتمعات المتخلفة اقتصاديا وماديا؟ لنتفكر مليا وبعمق في المسألة.. وربما نتوصل الى طبيعة المجتمع الرأسمالي تتمثل في استعباد العمل للانسان على حساب ارتقائه الاجتماعي وعبادة الكسب المادي كفاية في حد ذاته. ان الهوس الرئيسي في المجتمع الرأسمالي هو (الفلوس) وهو هوس يتمحور حول غريزة الاقتناء للمبتكرات المادية.. وبالضرورة على حساب الفطرة الانسانية السليمة نحو الرقي الروحي.. لأنه هوس يطغى على قيم الاسرة واخلاقيات الاجتماع.