قبل ان نتفحص صوابية أو عدم صوابية الاقتراح الفلسطيني الذي يقضي بتدويل مدينة القدس يجب ان نتساءل أولاً: من يتخذ القرار الفلسطيني في امهات القضايا التي تحدد مصير الشعب الفلسطيني ومصير أرضه؟ أهو فرد تتحلق حوله (شلة) من شخصيات لا تستوحي إلا رؤاها الذاتية؟ وهل يجوز في مثل هذه القضايا الخطيرة تجاهل الارادة الجماهيرية وكأن الأمر لا يهم إلا أفرادا معدودين لا يمثلون إلا ذواتهم؟ من المفترض نظريا ان الارادة الشعبية الفلسطينية مجسدة في هيئتين: (المجلس الوطني) و(المجلس التشريعي) غير أن الاول تبلورت عضويته عن طريق التعيين الانتقائي الشخصي بواسطة ياسر عرفات بصفته رئيس (منظمة التحرير الفلسطينية) .. والثاني أفرزته انتخابات مشكوك في نزاهتها في عهد ما بعد (أوسلو) ثم ان هيئات منظمة التحرير نفسها بما في ذلك اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي غير منتخبة أصلا فعضويتها أيضاً شكلت بوسيلة التعيين. ومع ذلك فليس غرضنا في هذا السياق الطعن في شرعية الهياكل التنظيمية الفلسطينية وانما لنعود الى التساؤل المطروح: كيف يصنع القرار الفلسطيني بشأن القضايا المصيرية ذات الثقل التاريخي مثل مستقبل مدينة القدس؟. وللتساؤل مناسبة ساخنة وفورية. فقد أتت الانباء بأن احد القياديين الفلسطينيين اعلن في منبر اوروبي رسمي قبل بضعة ايام ان القيادة الفلسطينية اصبحت مستعدة لقبول وضع دولي لمدينة القدس. ومن قبيل الشرح قال هذا القيادي الفلسطيني انه (في حال لم نتوصل الى حل مع الاسرائيليين حول القدس فانني اعلن موافقتنا على توحيد الجزءين الشرقي والغربي وان لا تكون القدس عاصمة لفلسطين او لاسرائيل وانما عاصمة للعالم اجمع) . هذا القيادي الفلسطيني هو أحمد قريع رئيس (المجلس التشريعي) ولو أدلى بهذا الاعلان ـ بالغ الخطورة ـ في ندوة محلية او مجمع اكاديمي فلسطيني لجاز اعتباره بالون اختبار بما يحفظ للقيادة الفلسطينية الرسمية خط رجعة اذا تراءى لها ذلك لاحقا, لكن اعلان هذا المسئول الفلسطيني الكبير ورد في خطاب رسمي القاه على اجتماع رسمي للبرلمان الاوروبي في ستراسبورج.. وبالتالي اعتبر موقفا رسميا جديدا للسلطة الوطنية الفلسطينية. والمثير حقا ان هذا الاعلان يعقب ويستبق في آن معا حدثين فلسطينيين كبيرين يتعارض الاعلان مع مضمون كل منهما: الحدث الاول يتمثل في ذلك الخطاب الرسمي الذي القاه الرئيس عرفات على اجتماع رسمي لوزراء الخارجية العرب في القاهرة قبل بضعة ايام والذي اكد فيه بقوة على ان القدس الشرقية هي عاصمة الدولة الفلسطينية المستقبلية. والحدث الثاني هو الاجتماع المرتقب للمجلس المركزي الفلسطيني الذي من المتوقع ان يؤكد بدوره على ما ورد في خطاب الرئيس الفلسطيني. فكيف ينقض قيادي فلسطيني يتحدث في مجمع اجنبي اعلانا رسميا يلقيه رئيسه على مجمع عربي؟ وكيف يجوز لقيادي فلسطيني حتى لو كان على اعلى مستوى ان يتخذ قرارا في مسألة او جانب من مسألة مستبقا اجتماع هيئة وطنية دعيت لتبت في الأمر ولما تجتمع بعد؟ ان المحنة الفلسطينية الحقيقية هي محنة ادارة ازمة قبل ان تكون مأساة حقوق مصيرية سلبية. وللمقارنة فان القيادة الاسرائيلية لا تجرؤ في المقابل على اتخاذ قرارات مصيرية في تعاملها مع الطرف الآخر الا استنادا الى الارادة الشعبية الاسرائيلية من خلال النهج الديمقر اطي التعددي وآلياته. في كلمة واحدة نحن بازاء وضع تقف فيه مجموعة افراد على جانب في مواجهة خصم يستند الى تحشيد ديمقراطي يمثل أمة بأكملها هي الأمة اليهودية.