اللعب على مسرح السياسة العالمية له مواعيده المحددة التي يحددها مختلف اللاعبين الرئيسيين على خارطة العالم, لذلك تبرز بعض القضايا في مناطق معينة حين يريد اللاعب الأكثر حنكة أو الأكثر خبرة, أو لنقل الأكثر قدرة على توجيه الحركة على تلك الخارطة الممتدة بامتداد القارات جميعا, فتكون الحركة في هذه الحالة على قدر ما يملك اللاعب من قدرة لإنجاح أو لإفشال حركة الآخرين تحقيقا للهدف الذي يود تحقيقه. في هذا الإطار تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية حاليا اللاعب الرئيسي إن لم نقل الوحيد الذي يملك تلك القدرة, وبالتالي القدرة على توجيه الألعاب أو حركة اللاعبين الآخرين إلى حيث يريد وحين يشاء, لذلك يبرز الحديث عن قضية ما حين يكون البيت الأبيض راغبا في ذلك, ويختفي الحديث عن تلك القضية نفسها, على الرغم من إلحاح وجودها, حين لا يجد الجالس في المكتب البيضاوي, أو من يكتبون التقارير في مكاتب المخابرات الأمريكية رغبة في مواصلة الحديث عن تلك القضية. وكما تعتبر القضية الفلسطينية في الشرق الأوسط سببا في تحريك أو تجميد الحركة السياسية من اتجاه إلى آخر حسب رغبة الولايات المتحدة, فإن كولومبيا بحربها الأهلية التي دارت ولا تزال تدور على مدى أربعة عقود, دون أن تصل إلى حل أو ما شابه ذلك أصبحت (نواة) الحركة السياسية للولايات المتحدة من اتجاه إلى آخر, وجميعها بالطبع لا بد وأن تصب في حماية شبكة المصالح الأمريكية, دون أن يكون لمصالح كولومبيا أو جيرانها من بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى أدنى حساب. لذلك لم يكن غريبا على المتابعين لقضايا أمريكا اللاتينية أن يشاهدوا زيارة الرئيس الأمريكي بيل كينتون (الفجائية والخاطفة) قبيل ساعات قليلة من (لقاء القمة الأمريكي الجنوبي) , الذي شهدته المدينة البرازيلية الحديثة (برازيليا) , في محاولة من جانب بعض زعماء تلك القارة الثرية بالمواد الطبيعية المنكوبة بتلك الثروات لوضع حد للأوضاع المتردية والتي تزداد ترديا يوما بعد يوم. فقد تذكر الرئيس الأمريكي فجأة أن كولومبيا تعاني من (شر) الحرب الأهلية, التي تشنها مجموعات مسلحة وتمولها عصابات ومافيا الكوكايين والهيروين, وكأن هذا الوضع كان غائبا عن الوجود وظهر فجأة حين بدأت الحركة السياسية الجادة من جانب بعض السياسيين في القارة الأمريكية الجنوبية لبذل بعض الجهد لوقف تدهور الأحوال المعيشية لشعوب تلك البلاد, أو على أقل تقدير التخفيف من سرعته, وهي حركة كانت تقابل دائما بمعارضة من جانب الولايات المتحدة باستخدام بعض الخاضعين لخططها من رجال السياسة في تلك القارة. كولومبيا وحربها الأهلية الطويلة المدى التي تعتبر من أقدم الحروب في تلك القارة لا تهم الولايات المتحدة كقضية شعب يعاني من دمار يومي ونزيف دموي ومالي, ونجاح حكومة كولومبيا في تحقيق سلام يضمن لشعبها, ليس الرفاهية, بل الحد الأدنى من الحفاظ على الحياة, بعد أن أصبح القتل والخطف والاغتصاب المهنة الوحيدة المربحة, هو كذلك لا أهمية له لدى الجالسين في البيت الأبيض, ولكن كل ما يهم أن تظل جميع القارة ساحة مباحة للشركات الأمريكية والأخرى المتعددة الجنسيات, التي تصب في النهاية في خزائن البنوك الأمريكية, وبالتالي جيوب السياسيين في تلك الدولة العظمى. لذلك يصبح من الخطر أن يفكر أحد من أبناء تلك القارة, سياسيا كان أم مجرد شخص عادي, في صالح تلك الشعوب التي تقاسي كل الشرور الموجودة على ظهر الأرض, لأن التفكير في مصالح تلك الشعوب يعني بحسبة بسيطة خسارة في أرباح الشركات الأمريكية والمتعددة الجنسية, ويتم ترجمته بلغة السياسة (تهديد المصالح الحيوية) لتلك الشركات, وبالتالي تهديد المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية, فيدق ناقوس الخطر في البنتاجون والسي آي إيه, ولحظتها لا بد من تحريك قوات (المارينز) لضمان الحفاظ على تلك المصالح تحت أي مسمى أو شعار. لذلك يرى المراقبون أن الحركة الأمريكية الأخيرة التي سبقت اجتماع برازيليا لم تكن بريئة كل البراءة, وظهر هذا جليا في الشكوك التي واجهتها (الخطة كولومبيا) التي حاول الرئيس الكولومبي باسترانا أن يبيعها لزملائه في تلك القمة, بل أن الأمر لم يتوقف عند حد الشكوك المحيطة بمدى نجاح استخدام القوة العسكرية ضد مافيا الكوكايين بمشاركة عسكرية أمريكية مباشرة, بل تحول إلى عمل فعلي معاكس, حيث قامت الدول المجاورة لكولومبيا, وبشكل خاص فنزويلا والبرازيل, بنشر مزيد من قواتها العسكرية على الحدود المشتركة خوفا من قيام الولايات المتحدة من استخدام (حملتها ضد المخدرات) للتدخل العسكري المباشر في تلك البلاد, خاصة فنزويلا التي اصبح رئيسها الجديد (هوجو سانشيث) أحد الزعماء السياسيين في القارة الذين لا ترتاح إليهم الولايات المتحدة. خطة (كولومبيا) حسب إعلان الولايات المتحدة والرئيس الكولومبي ترتكز على قاعدة أساسية خطرة, وهي زيادة المساعدة العسكرية بشكل مباشر, بحيث يتم تنفيذها بتدخل مباشر من (مستشارين عسكريين أمريكيين) وتكون قيادة القوات الكولومبية المدربة لتنفيذ هذه الخطة تحت الأمر المباشر لجنرال أمريكي تعينه الولايات المتحدة (؟!). من هنا يأتي الرفض, داخليا في كولومبيا وخارجيا لدى الدول المجاورة لكولومبيا, لأن الهدف المعلن هو محاربة مهربي المخدرات, بينما الهدف الحقيقي هو القضاء على (الثوريين المتمردين) في كولومبيا, لأن رجال حرب العصابات يدخلون في إطار المخدرات أيضا, لأنهم يستخدمونها في تمويل مشترياتهم من السلاح, وهذا من الأمور المعروفة جدا والتي ليست في حاجة إلى تفسير أو شرح. إذن المعونة العسكرية الأمريكية سوف تستخدم في جميع الاتجاهات, مما يعني أنها ستؤثر وبشكل مباشر على الحوار الدائر حاليا بين حكومة باسترانا والثوار للتوصل إلى حل للقضايا الاجتماعية, التي يستخدمها مقاتلو كولومبيا شعارا يبرر حرب العصابات التي يمارسونها منذ عقود عديدة. ودخول العسكريين الأمريكيين في المواجهة المباشرة مع متمردي كولومبيا سيعني بالطبع سقوط بعض هؤلاء الأمريكيين ضحايا في هذا القتال, من هنا يصبح خطر تطور المواجهة المباشرة التي يشارك فيها عسكريون أمريكيون قائما, مما يعني بلغة السياسة اليومية (فتنمة) الحرب الأهلية في كولومبيا, أي تحويلها إلى فيتنام أخرى, وهو أمر تنفيه الرئاسة الأمريكية خوفا من الرفض الشعبي لها. هذا الخطر يخيف أيضا الدول المجاورة, لأن الولايات المتحدة معروفة بسرعة توريطها لمن ترغب في توريطه من الدول المجاورة تحت ستار مطاردة المتمردين وتجار المخدرات خارج الحدود الكولومبية, أي يمكنها أن تورط الدول المجاورة ليس بهدف مطاردة المهربين والمتمردين بهدف القضاء عليهم أو على خطرهم, بل بهدف جر تلك الدول في صراع يجعلها رهينة للسياسة الأمريكية في المنطقة, وفريسة سهلة يمكن ابتلاعها حين تحين الفرصة. هذه الشكوك تبدو شرعية من جانب الدول المجاورة لكولومبيا لأسباب عديدة غير تلك, لعل من أهمها أن (الخطة كولومبيا) لا تبدو واضحة المعالم والأهداف تماما, كما تحاول الولايات المتحدة أن تصورها للآخرين, ولا يمكنها أن تقدم ضمانة حقيقية للنجاح في مواجهة حرب عصابات فشلت جميع الحكومات الكولومبية السابقة في تحقيق أي نجاح يذكر في هذه المواجهة, مما دفع الرئيس باسترانا إلى طلب الحوار مع القوات المتمردة في محاولة لحل الأزمة بالحوار بعد أن فشلت القوة العسكرية. حتى لو افترض أن الهدف الرئيسي من المعونة والمساعدة العسكرية الأمريكية تقوية الجيش الكولومبي في مواجهة رجال حروب العصابات ومهربي المخدرات, فان الخطر الأكبر يكمن في أن القوات التي يدربها المستشارون الأمريكيون لا يتم تدريبها على القتال فقط, بل يتم تدريبها أيديولوجيا أيضا, كما كان الحال في مدرسة بنما الشهيرة, مما يعني بروز خطر استخدام هؤلاء العسكريين في المستقبل لتهديد الحكومات الديمقراطية نفسها, لأن التدريب الأيديولوجي يمكن أن يكون عاملا مهما في إحكام السيطرة الأمريكية على الجيش الكولومبي مما يعني عودة جديدة إلى زمن الانقلابات العسكرية الدموية, الذي اشتهرت به أمريكا اللاتينية ردحا من الزمن تحت شعار (مكافحة الشيوعية) . توقيت زيارة كلينتون لكولومبيا والإعلان عن الخطة التي تحمل اسمها, محط شكوك كثيرة, وهي شكوك لها ما يبررها, ويعتقد المراقبون أن مدى نجاح زعماء أمريكا اللاتينية في تحقيق تقدم في تعاونهم الثنائي أو الجماعي, وهي المحاولة التي بذلت خلال لقاء برازيليا الأسبوع الماضي, هو الدرع الوحيد الواقي لتلك البلاد من التدخل الأمريكي المباشر, وبالتالي إمكانية الخروج من (النفق) المظلم الذي توجد فيه شعوب تلك البلاد المنكوبة بثرواتها الطبيعية. كاتب مصري مقيم في أسبانيا