لعب الجيتو دوراً مؤثراً في صناعة الثقافة السياسية للتجمع الصهيوني على أرض فلسطين, مثله في ذلك مثل التوراة والصهيونية والعبرية, مع التفاوت في حجم ومدى التأثير الناتج من العامل الأصل والعامل الفرع من حيث التفاعل. والغرض من تناول دور الجيتو في التشكيلات الثقافية والسياسية في إسرائيل, هو الكشف عن طريقة التفكير (الجيتوية) أي المنغلقة والمزدوجة حيث الجمع بين الاضطهاد وعظمة الرسالة, وقداسة الدور الموكول لليهود. وعن ذلك يقول د. عبد الوهاب المسيري في موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية (الدارس للصهيونية يلاحظ الآثار العميقة التي تركتها حياة الجيتو ونظمه في عقلية ونفسية اليهودي, حيث أصبح الأغيار شراً مطلقاً, وأصبحت الدولة الصهيونية هي مركز الدنيا والتاريخ, وقد جاء الاستيطان على أرض فلسطين تجسيداً لذلك الجيتو, وتكريساً لطريقة التفكير السائدة والناجمة عنه, وقد كرس هذا التفكير الجيتوي الخوف والطمأنينة معاً, خوف من الأغيار وطمأنينة للعزلة حيث لا أمن ولا سلم إلا في إطار النقاء اليهودي والمقدس اليهودي..) . والجيتو لم يبدأ فقط في تاريخ الشتات اليهودي عندما أنشأ في البندقية عام ,1516 ولا حتى عندما أصدر البابا بول الرابع قراره بعزل اليهود في جيتو في روما عام ,1555 وإنما كان قبل ذلك بكثير, لقد كان قائماً في التوراة ومن بعدها التلمود, وها هو إسرائيل ابراهامز يقول: (قبل أن تصبح السكنى في مكان محدد أو في الجيتو أمراً إجبارياً, كان اليهود أينما وجدوا يتجمعون في أماكن منعزلة بالمدن التي كانوا يعيشون فيها) . إنه الجيتو الاختياري المؤسس على التوراة ومفاهيمها عن تفرد الشعب اليهودي وقدسيته, ودوره كجماعة مؤمنين, والموقف من الأغيار المحتقرين من قبلهم ظاهرة تاريخية لازمت الوجود اليهودي منذ نشأته, كما لازمته ظاهرة الشتات. ولما كان الدين اليهودي, قد ظل لفترة طويلة منذ القرن الثاني ق.م وحتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي هو العامل الرئيسي في توجيه الحياة اليهودية, فقد ظلت المفاهيم التوراتية والتلمودية هي المشكلة والصانعة لطريقة التفكير (الجيوتية) والتي ترى في أتباعها المقدس في ذاته, وترى في الأغيار المدنس في ذاته. وهكذا كانت عبارات مثل شعب الله المختار, والأرض الموعودة من الله, الشعب المقدس, أمة الروح, البقية الصالحة, أحجاراً في أبنية العزلة, وأسلاكاً في أسوار مرتفعة جداً بينهم وبين المجتمع, أي مجتمع. وكانت آيات التوراة أساساً في معمار الكراهية تجاه الأغيار (الجوييم), وبيئة مناسبة للجيتو الاختياري والإجباري بعد ذلك سواء في أوروبا الشرقية أو حتى في الدولة الإسرائيلية, وقد جاء في التوراة ما عزز ذلك حيث جاء في (سفر العدد 33:,55 66) , (إن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في عيونكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها فيكون أني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم) . وفي (سفر التثنية 7:,1 2) (متى أتى الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد أصحابها من أمامك وضربتهم فإنك تحرقهم (تبيدهم). لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم) . وفي (أشعيا 34:1-3) (اقتربوا أيها الأمم لتسمعوا وأيها الشعوب أصغوا, لتسمع الأرض وملؤها المسكونة وكل نتائجها لأن الرب سخطاً على كل الأمم وحملوا على كل جيشهم. قد حرمهم دفعهم إلى الذبح. فقتلاهم تطرح وجيفهم تصعد نتانتها وتسيل الجبال بدمائهم) . إذن نحن أمام تعليمات مقدسة من الله ضد الأغيار, ذكرتها التوراة, أو زيفتها لا فرق. المهم أنها فعلت فعلها في تشكيل الثقافة السائدة لدى اليهود على مر العصور, وها هو هرتزل في يومياته في أواخر القرن التاسع عشر يكتب ما نصه: (عندما نحتل فلسطين .. يجب أن نستخلص ملكية الأرض .. سنحاول أن نشجع الفقراء من السكان على النزوح إلى البلدان المجاورة .. إذا وصلنا إلى منطقة فيها حيوانات مثل الأفاعي الكبيرة نستخدم أهل البلاد ليقضوا على مثل هذه الحيوانات .. يجب أن يكون العمال على السكك الحديدية والطرق في مناطق الأوبئة من أهالي البلاد وكذلك عند تجفيف المستنقعات .. وإلا كثرت نسبة الموت بيننا .. يمكن استخدام العرب للعمل في المناطق الموبوءة) . ويقولون في التلمود, وهو ا لكتاب الثاني لديهم في مرتبة التقديس (من العدل أن يقتل اليهودي بيده غير اليهودي, لأن من سفك دم الكافر, يقرب قرباناً إلى الله) . أما ما قاله (موسى هس) 1812-1875 وبالذات في عام 1862 وعبر مؤلفه (إحياء إسرائيل) : (إننا سنظل دائماً غرباء بين الشعوب, سوف تمنحنا بعض الحقوق بدافع من الشعور بالإنسانية والعدالة .. ولكنها لن تحرمنا مطلقاً .. ما دمنا قد وضعنا ذكرياتنا العظيمة في الصف الثاني) . ومما دعم الحاجة إلى الجيتو الاختياري والإجباري مجموعة الشعائر اليهودية الخاصة مثل قوانين الطعام وتحريم الزواج المختلط, وعدم شرب الخمر المصنوعة من الأغيار, والختان, والنصاب اللازم لصلاة الجماعة, وعادات الدفن والمدافن وشعائر السبت, وكلها شعائر لازمت اليهود منذ وجودهم وفرضت عليهم نزوعاً للعزلة وعدم الاختلاط, حتى لا يتعرضون للدنس من الأغيار (الجوييم). وهكذا تشكلت نفسية العزلة وفي نفس الوقت كبرياء القداسة والسمو, وعن ذلك يقول الأديب الصهيوني (يوسف جيم بريبر) (1881-1921): (يجمع كتاب تاريخنا عن أن أجدادنا يهود الجيتو القديم, كانوا يحسون بنوع من الكبرياء والسمو بالنسبة (للجوي) حتى عندما يقبلون يديه ويركعون أمامه) ويتساءل (من أين أتى هذا الاحتقار من جانب اليهود للأغيار والشعور بالسمو عليهم) . ومن هنا يرى د. فرج أحمد في معرض تحليله للشخصية اليهودية (إن رفض العقيدة اليهودية الاعتراف بندية الآخرين هو أساس منشأ ذلك التكوين الذي لا يمكن إلا أن يكون وعياً ممزقاً شقياً, وعياً يحمل في ثناياه بذور ذلك الشعور المرضي بالعظمة والاضطهاد) . إذن فكرة الأغيار فكرة حاكمة لليهودي, واختيارية الله لشعب اليهود هي فكرة حاكمة أيضاً, لذا كان من الطبيعي أن يخلق اليهود لهم حارة وسط مجتمعات الأغيار. أما الجيتو الإجباري أو القسري فيعود تاريخه إلى جيتو البندقية (عام 1516), وأصل الكلمة غير معروف بدقة, لكن المهم أن كافة المعاني الدالة عليه تعني المكان المعزول أو المنفصل, حيث يقال حي اليهود في البندقية نسبة إلى (فلجيتو) أو (مصنع المدافع) الذي أقيم بجوار الحي, ويقال أيضاً حسب موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية صفحة 288 الجزء 4 أن الكلمة مشتقة من الكلمة الألمانية (جهكتر أورت) التي تعني (المكان المحاط بالأسوار) أو هي من الكلمة العبرية (جت) بمعنى (الانفصال) أو (الطلاق) حسب التلمود, وأخيراً ربما اشتقت من الكلمة الإيطالية (بورجيتو) بمعنى (القسم الصغير من المدينة) . وقد اختار اليهود الذين آثروا العزلة, أسماء حاراتهم في أوروبا وأمريكا وبلاد العرب وكافة البلدان المتواجدين فيها, ففي ألمانيا (شارع اليهود) وفي البرتغال (جوديا) , وفي أسبانيا باسم (جودريا) , وفي فرنسا (جويفري) , وفي إيطاليا (جيدكا) وفي المغرب العربي باسم (الملة) , وفي اليمن باسم (القاع قاع) , وفي تركيا باسم (يهودي محلي) , وكلها تعني اليهود باعتبارهم كتلة اجتماعية متجانسة. أما في بلاد شرق أوروبا فكان هناك (الشتتل) وهو تجمع سكاني يهودي يراوح عدد البشر فيه من ألف إلى 20 ألفاً, وهو أحد أشكال الوجود الجيتوي, وقد ارتبط (الشتتل) بالإقطاع الاستيطاني في بولندا, وتدور الحياة فيه حول المعبد والسوق والمدفن. أما بنية الجيتو الذي ساد بعد قرار البابا بتشكيل جيتو البندقية, فهو مكان محاط بالأسوار العالية داخل أو خارج المدينة, يغلق في المساء عبر بوابة أو أكثر, ينظم علاقته بالمجتمع الخارجي بالميثاق أو العهد الممنوح لهم من الأباطرة والملوك, حيث ينص ذلك العهد على الحقوق والواجبات من نوعية العمل ومقدار الضرائب وتصديق الدولة على الحياة الداخلية المنظمة من قبل جماعة الجيتو, أما العلاقة اليهودية اليهودية فتنظم بواسطة التلمود وقانون تحريم الاستيطان (أي عدم السماح بسكنى يهود من جيتو آخر). ويدار الجيتو من قبل هيئة إدارية تصل إلى 12 عضوا منتخبة أو معينة حسب ظروف وطبيعة السكان و تلك الهيئة الإدارية في جيتو الأشكناز تطلق عليها (القهال) , وفي جيتو السفارد يطلق عليها (الماها ماد) وتقوم تلك الهيئة بتطبيق نصوص التلمود, والنظر في المنازعات اليهودية اليهودية مستندة في تلك الأحكام على التلمود. ومن أهم الوظائف داخل الجيتو الذابح الشرعي (الشوحيط) والمختن (الموهيل) والمرتل (حزان) وحارس المعبد والمنفذ لأحكام القضاء الشرعي (الشماس) والواعظ الجوال (مجيد) والخاطبة (الشادخان) . وتتعدد الأعمال داخل الجيتو من أعمال تخص اليهود أنفسهم مثل الحاخامات المدرسية وحراس المعابد والمختنين, بالإضافة إلى الجزارين وصانعي الشموع وتجار الكتب وناسجي شال الصلاة وأعمال الخدمات الداخلية في الجيتو مثل أعمال النظافة والصحة وهؤلاء يمثلون 10% من مجموع عمالة الجيتو, كما كان يوجد في بعض الجيتوات مدارس أولية خيرية ومدارس تلمودية عليا, ومنزل للفقراء والعجزة ومقبرة لدفن الموتى وكل ذلك كان تابعاً لمباشرة القهال (الهيئة الإدارية) . بعد تلك الفتر ة التي استمرت من 1516 (جيتو البندقية) إلى 1750 حتى 1880 فترة التنوير اليهودية أو (الهسكالاه) والتي كانت بدايتها في ألمانيا, ويعتبر (موسى مندلسون) الرائد الروحي لحركة (الهسكالاه) , حيث قدم وجهة نظر جديدة في الفكر اليهودي, ونادى بالخروج من عقلية الجيتو وطالب اليهود بالاندماج الكامل في المجتمعات التي يعيشون فيها, وكان دعاة التنوير اليهودي يرون إمكانية حدوث ذلك إذا ما تمكن اليهود من فصل الدين اليهودي عن القومية اليهودية مع اكتساب مقومات الحضارة الغربية العلمانية, وقد استطاعت تلك الحركة التنويرية بتقديم نقد واسع لبعض المفاهيم الدينية مثل فكرة المسيح المخلص والمنتظر (الماشيح) وحولوا فكرة جبل صهيون إلى مفهوم روحي ورمز للمدينة الفاضلة المثالية. كما يقول د. رشاد الشامي في كتابه (الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية) .