تحولت قمة الألفية التي تجمع كل حكام وزعماء وكبار مسئولي العالم تحت سقف واحد في نيويورك إلى ما يشبه سوق عكاظ أو ركن الهايد بارك البريطاني الشهير. وإذا كان من فوائد للعولمة أو ثورة الاتصالات والمعلومات, فقد أتاحت لجميع بني البشر أن يلتقوا سويا لمناقشة مشاكلهم وقضاياهم وجها لوجه, بدءا من الصراعات العسكرية, مرورا بكيفية مقاومة الأمراض مثل الايدز والملاريا, نهاية بحوار الحضارات ووضع قوانين موحدة للانترنت. لكن الطريف في اجتماعات الألفية وبعيدا عن قضاياها الجادة, هي انها أكدت لنا للمرة المليون حجم الفوارق والاختلافات بين سكان العالم, وان كل ما يقال عن ان العولمة تعني الاندماج والتقدم الاقتصادي والرخاء الإنساني يشبه القول بأن اسرائيل تنوي حقا اعادة الحقوق المسلوبة للشعب الفلسطيني طبقا للشرعية الدولية. ومن لا يصدق عليه التمعن في المفارقات والنوادر التي تحفل بها الاجتماعات التي تعقد في نيويورك هذه الأيام. وعلى سبيل المثال وتحت سقف واحد يجلس بيل كلينتون رئيس أقوى وأغنى دولة في العالم مع رئيس الصومال الجديد قاسم صلاد حسن المنتخب منذ أيام قليلة والذي يجاهد لبسط سيطرته على بلاده التي تعصف بها الحرب الأهلية والانفصالية, وبروتوكوليا فإن الاثنين في منزلة متساوية. في القمة أيضا وطبقا لمنطق القوة المادية والاعلامية فإن ابن بلير الرضيع الذي لم يتجاوز عمره بضعة شهور يحتل مساحة واسعة من عناوين الأخبار الصحفية والتلفزيونية على حساب قضايا خطيرة مثل الفقر والمرض والتخلف في العالم الثالث. في هذه الاجتماعات أيضا رأينا ممثلين لكل أديان العالم السماوية بمختلف أطيافها, رأينا أيضا كاسترو الشيوعي الذي ما زال محافظا على أفكاره الاشتراكية بجوار قادة أوروبا الذين يطبق بعضهم الآن نظرية جديدة في الليبرالية المتوحشة التي تعطي قلة من البشر غالبية الثروة حتى لو كان الثمن تزايد الفقر والبطالة داخل مجتمعاتها. وإذا كان البعض يشيد بفكرة الموائد المستديرة التي تشهدها اجتماعات قمة الألفية وتناقش كل القضايا العالمية فإن الخشية الحقيقية هي ان هذه الموائد المستديرة لن تسفر عن شيء, اللهم إلا إذا كانت تقدم طعاما فاخرا لأصحابها, بحيث تتحول في النهاية إلى (هايد بارك) جديد, وبدلا من المشعوذين وذوي الأفكار الغريبة في الركن البريطاني العتيد نكون بصدد انتقاله إلى نيويورك, والفارق فقط بين المرتادين!! عماد الدين حسين emadiraqi @ yahoo. com