تأمل في هذين التطورين الكاسحين: الرئيس البشير ومن ورائه شخصيات قيادية في الحركة الاسلامية الحاكمة يشنوا حربا سياسية فجائية على د. الترابي وكبار مؤيديه في الحركة بما يؤدي, الى اقصاء (الترابيين) نهائيا عن اجهزة السلطة.. ومن ثم تتوالى مؤشرات تفيد بأن حكومة البشير قررت فيما يبدو تبني نهج براجماتي اعتدالي في مجال الشئون الخارجية. على خط مواز يقوم الرئيس مبارك, على نحو فجائي ايضا, بجولة عربية تشمل الدول الخليجية يطلب خلالها من الدول العربية دعم الرئيس البشير في نهجه الاعتدالي الجديد. وفي غضون اسابيع يجرى تطبيع لعلاقات السودان على المستويات الثنائية مع عدد من الدول العربية. وبناء على هذا التطور تنتهي القطيعة الكويتية مع السودان. هل هناك رابطة عضوية بين هذين التطورين الهامين؟ بالتأكيد. ومن خلال ما تلا هذان التطوران من خطوات مشتركة متلاحقة حتى اليوم في اتجاه تمتين العلاقات الثنائية بين مصر والسودان بتسارع مدهش يبدو واضحا ان القاهرة والخرطوم توصلتا الى محطة التقاء استراتيجية على اساس تبادلية مصلحية بغض النظر عن مسار الوفاق التصالحي السوداني بين الحكومة والمعارضة في اطار مشروع الوساطة المصرية الليبية. وفي تقديري الشخصي ان هذه القناعة المشتركة افرزتها قناعة مشتركة اخرى بأن مشروع الوفاق السوداني يدور حول نفسه في حلقة مفرغة بسبب موقف كل من محمد عثمان الميرغني زعيم (الحزب الاتحادي) المعارض وجون قرنق قائد الحركة الجنوبية المسلحة ـ الأول لا يتجاوب بقدر كاف.. والثاني يرمي الى نسف مشروع الوساطة اصلا بمختلف الحيل وكلاهما يزداد تعنتا بتشجيع من الولايات المتحدة. وقد تكون القاهرة والخرطوم اكتشفتا من خلال مسلسل من التحاور الثنائي ان الوضع الراهن ملائم لكليهما من منظور منطق المصلحة المتبادلة فاذا بلغ مشوار الوفاق والتصالح منتهاه بصورة ايجابية فإن المفترض ان يثمر حكومة ائتلافية قومية في السودان تشارك فيها فصائل المعارضة. وفي هذه الحالة لن يكون ملائما للحركة الاسلامية الحاكمة في السودان اقتسام السلطة مع اطراف مناوئة.. الا كخيار اضطراري. وبنفس القدر لن يكون ملائما للقاهرة ان يكون قرنق احد شركاء السلطة في الخرطوم بأجندته التي تتضمن فصل جنوب السودان, خاصة اذا كان مبدأ (تقرير المصير) احد مرتكزات اتفاق المصالحة المفترض. المصلحة المشتركة بين القاهرة والخرطوم اذن تقتضي مواصلة مسارهما صوب تحقيق شراكة استراتيجية واسعة النطاق. وبينما تتواصل جهودهما المشتركة في بناء هذه الشراكة في الخلفية يجب ابقاء شعلة المبادرة المصرية الليبية متقدة في الواجهة لدرء اي اتهام محتمل ضد الحكومتين المصرية والسودانية بأنهما وضعتا مبدأ المصالح الثنائية فوق مبدأ الوفاق الوطني السوداني. لقد قطع مشوار الشراكة الاستراتيجية بين مصر والسودان شوطا بعيدا حتى الآن, فقد اسقطت القاهرة نهائيا اتهامها للخرطوم بانها كانت وراء تدبير محاولة اغتيال الرئيس مبارك في اديس ابابا قبل خمس سنوات.. بل وتطالب مصر الان من مجلس الامن الدولي بالغاء العقوبات التي كان قد اتخذها المجلس ضد السودان في هذا الصدد.. وبعد ان اقصت الخرطوم (الترابيين) من السلطة فإنها شرعت في تسليم (الممتلكات المصرية, في السودان. وتوصلت الدولتان الى توافق بشأن اقليم حلايب على اساس سيادة مشتركة. وبينما صارت الدولتان تنتهجان سياسة خارجية موحدة على الصعيدين العربي والافريقي تغيرت نظرة الخرطوم الى قضية جنوب السودان من مبدأ تقرير المصير, الى مبدأ السودان الموحد. وفي هذه الاثناء يتباطأ مسار (المبادرة المشتركة) للوفاق الوطني السوداني الى درجة التلاشي رغم ضجة الاجتماعات والتصريحات.