قوات الأسلحة التقليدية الأمريكية تم تنظيمها حاليا على أساس الافتراض بأنه قد يتعين عليها أن تخوض حربين اقليميتين في وقت واحد, السؤال البسيط الذي يتبادر الى الذهن في مستهل هذا المبحث هو: لماذا نولي الاهتمام الى مستقبل القدرة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية؟ وبقدر ما أن الاجابة على هذا السؤال بسيطة بدورها, لدرجة أن تكون بديهية, بقدر ما أنها متشعبة وقد تشمل النقاط التالية: أن عصر العولمة الراهن مازال يجعل من أمريكا القوة الوحيدة الأكبر في العالم.. ولا سبيل من ثم الى تجاهل حركتها أو صرف النظر جهلا أو تجاهلا عن هذه الحركة, وسط عالم أصبح يتسم بالاتصالات الكوكبية وبالاعتماد المتبادل و بالتشابك الشديد, والخطير أحيانا بين مصالح الأمم والدول والشعوب.. وأن لأمريكا بحكم تعريفها السابق, مصالح استراتيجية بل وحيوية خارج حدودها, ومنها ما هو واقع سواء في منطقة العالم العربي ذاته, أو عند التخوم المحيطة بهذا الوطن العربي في افريقيا وفي آسيا.. وليست القوة العسكرية سوى إحدى أدوات التفاعل وأحيانا التناقض والصراع بين الدول حيث أن ادارة هذا التفاعل أو ادارة التناقض تبدأ بالعمل السياسي والجهد الدبلوماسي, ولكن على دوائر الفكر والتحليل, دع عنك مستويات صنع واتخاذ القرار أن تضع في حسابها دوما امكانية اللجوء الى القوة العسكرية وتلك حقيقة ما برحت تؤكدها كل الأحداث التي شهدها القرن العشرين. إن لأمريكا, بل وللغرب والحضارة الغربية الهيلينية كما قد نصفها قلعة مسلحة ومتقدمة في قلب الوطن العربي هي بالطبع اسرائيل. ومن أبجديات ادارة الصراع العربي الاسرائيلي رصد تطورات ترسانة السلاح الأمريكي أصلا من حيث الكم والكيف باعتبارها المصدر الأساسي لتسليح القائمين على حراسة المشروع الاستيطاني الصهيوني بالسلاح ناهيك عن أن كل الادارات الأمريكية المتعاقبة منذ حكومة ترومان في آخر الأربعينيات ظلت تعتمد مبدأ تزويد اسرائيل بالسلاح بما يجعلها تحوز قصب السبق والتفوق - هل نقول الساحق على مجموع الدول العربية كلها. وأخيرا فلقد بلغ التماس بين الشأن العربي والشأن الأمريكي درجة وصلت كما يدرك الجيل الحالي الى مستوى انشاء نوع من التحالف ولو مرحليا وهو ما اتسمت به مثلا حرب الخليج الثانية التي شارك فيها الطرفان في تحرير الكويت بصرف النظر عن اختلاف الأجندة التي كان يعتمدها كل من الطرف العربي والطرف الأمريكي فضلا عما لا يزال ناجما عن حرب الخليج الثانية من كوارث لحقت بالشعب العربي في العراق الذي لا ذنب له فيما ارتكبته قيادته من حماقة سياسية وعدوان عسكري وكان ذلك يرجع أول ما يرجع الى غرور القوة وسوء الحسابات وغطرسة الاستبداد. تحولات الخطاب السياسي الأمريكي ولقد أتيح لنا في الأيام المتبقية من المهمة التي تواجدنا من أجلها في أمريكا أمر المتابعة اليومية وعن كثب للخطاب السياسي الأمريكي والحوار الذي يتناول قضية القوة العسكرية الأمريكية في السنوات القليلة القادمة. صحيح أن جانبا من الحوار الدائر حاليا, وخاصة بين أقطاب الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي تنقله منظومات الميديا الى جميع أنحاء العالم, لكن التواجد عن قرب من تلك المواقع يتيح رصد ومناقشة وفهم ما يمكن تسميته بالتيارات التحتية والآراء غير المعلنة التي يصدر عنها كثرة من الفرقاء ومن هذه المنطلقات والتيارات ما يمكن للمرء أن يلمسه في مؤسسات البحوث السياسية وفي مطابخ النشاط الحزبي في عاصمة كبرى ومؤثرة مثل نيويورك وفي أوساط المندوبية الأمريكية بالأمم المتحدة وفي أعمدة الصحف المحلية وفي زوايا الاذاعات الاقليمية وفيما تنشره الدوريات المتخصصة في أمور السياسة والاستراتيجية وما تفرج عنه الحكومة من وثائق بمقتضى قانون المعلومات. حملة المرشح الجمهوري والحاصل أن بدأ المرشح الجمهوري جون دبليو بوش حملته ضد منافسه آل جور بحملة هجوم شنها على ادارة كلينتون جور بدعوى أنها أفضت الى إضعاف القوة العسكرية الأمريكية لدرجة تحويلها الى هيكل شبه مجوف على حد تعبير بوش. الذي ما برح حتى كتابة هذه السطور يطوف ولايات الوسط والجنوب بالذات مرددا شعاره الأثير لديه ولدى سكان هذه الولايات وهم مشهورون بالعزلة والصلف وتكريس قوة السلاح والشعار يقول: إن بوش إذا ما فاز بالرئاسة سوف يعمل على زيادة النفقات المخصصة للقوة العسكرية, وسوف يعمل على رفع الروح المعنوية التي تردت في رأيه للقوات المسلحة الأمريكية.. الخ. والحاصل كما يؤ كد الخبراء المحايدون هو أن أمريكا مازالت تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم وأنها ترصد وتوظف من الاعتمادات المالية في الأغراض العسكرية بأكثر مما تفعل عشر من أكبر دول العالم مجتمعة, وهي الدول العشر التي تلي أمريكا في ترتيب القدرة العسكرية من حيث الحجم والجاهزية والتدريب والتسليح. واعتراف بخفض القوة الأمريكية من ناحية أخرى, ثمة اعتراف موضوعي بأنه طرأ تخفيض على حجم القوة العسكرية الأمريكية وبخاصة بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة وسقوط ومن ثم زوال الخصم السوفييتي الذي كان. وعلى سبيل التفصيل: كان لدى أمريكا 2.2 مليون جندي (ذكورا وإناثا) في جيشها العامل منذ عشر سنوات, وتقلص هذا الحجم الى 4.1 مليون جندي. انخفض عدد فرق الجيش من 18 فرقة (قوام كل منها نحو 15 ألف فرد) الى عشر فرق وإن ظلت تحتفظ بعدد من الجنود يبلغ 470 ألف فرد. تقلصت أسراب سلاح الطيران لتبلغ الآن 12 سربا بعد أن كانت 22 سربا (السرب يضم 72 طائرة). انكمشت قوة سلاح البحرية من 13 مجموعة من حاملات الطائرات الى 12 مجموعة ومن مجموع 528 سفينة حربية الى 315 سفينة فقط. يبلغ اجمالي الانفاق العسكري من الميزانية الأمريكية الآن 300 مليار دولار سنويا بالأسعار الحقيقية وهو ما يدنو عن الذروة التي كان قد بلغها في عهد الرئيس الأسبق ريجان بنسبة 25 في المئة. ومع هذا كله فخبراء دوائر الدفاع البنتاجون يقولون أن الأرقام الأقل والأحجام المنكمشة لا ترادف قدرات أقل ولا استعدادات أضعف بل انها عملية تكيف مع مقتضيات ما بعد الحرب الباردة وخاصة في ضوء متغيرات خريطة القوى على الساحة الدولية ومن أبرز هذه المتغيرات أن برزت الحاجة الى دعم الأسلحة التقليدية التي ظلت مهيضة أو شبه منبوذة خلال الصراع الأمريكي السوفييتي لصالح السلاح النووي وسائر أسلحة التدمير الشامل وفي هذا يقول بحث هام نشرته نيويورك تايمز مؤخرا: إن قوات الأسلحة التقليدية الأمريكية تم تنظيمها حاليا على أساس الافتراض بأنه قد يتعين عليها أن تخوض حربين إقليميتين في وقت واحد ومن ذلك مثلا (ونرجو أن نعي هذا جيدا من منظورنا العربي) حرب في منطقة الخليج وحرب في شبه جزيرة كوريا.. لأن الصراعات العسكرية في المستقبل, والحديث مازال للجريدة الأمريكية الكبيرة ممكنة الاندلاع في أي من هاتين المنطقتين حيث يبدو الاحتمال واردا, وبشدة, أن يحدث تداخل في ملابسات الحرب إن وقعت طبعا بين المنطقتين. متغيرات الخطاب السياسي وثمة ملاحظات قد نسوقها بايجاز شديد في هذا السياق: إن الخطاب السياسي العسكري الأمريكي تخلى عن حديث الحرب العالمية أو الصراع الكوكبي أو الكوني.. وأصبح الحديث هو دوما الاستعداد لخوض حرب اقليمية في هذا الركن أو ذاك من العالم. إن البنتاجون يؤكد أهمية عنصر التأهب بمعنى القدرة على الحشد و خوض القتال في أقل فترة زمنية من الإشعار أو الإخطار (بكسر الهمزة) بضرورة الذهاب الى الحرب. أنهم لا يستبعدون احتمال استخدام قوات برية على الأرض وإن كان الخيار الأفضل هو التعويل على القوة الجوية التي تتيح وقتا أوسع للتعبئة من أجل خوض حرب أخرى قد تندلع في نفس الوقت. أنهم يطورون قدراتهم وتمارينهم ومعداتهم كي تتلاءم مع الحرب الاقليمية ومن ثم فالاعتمادات المطلوب تخصيصها تركز على الدبابات والمدرعات ومنظومات المدفعية الأخف وزنا وحركة والأيسر نقلا وتحريكا مما هي عليه اليوم. أنهم يركزون على مسح الأقاليم والتضاريس المرشحة لمعارك وصراعات المستقبل في قارات العالم الثلاث افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية وربما في بلقان أوروبا مستخدمين أحدث اتصالات الأقمار الاصطناعية وطائرات الاستطلاع الالكتروني لزوم تزويد قادة المستقبل في هيئات الأركان وفي الميدان بمعلومات طازجة محدثة ومباشرة عن مسارح العمليات المحتملة. أنهم يجهزون لخوض نوعيات وأنماط مستجدة تماما عن حروب الماضي حتى الحروب التقليدية. ومن هذه الأنواع المستجدة مثلا خوض معارك مسلحة ضد عناصر يصفونها بالارهابية والاشتباك في معارك مع عصابات وكارتلات زراعة وتصنيع وتهريب المخدرات وخاصة في أمريكا الجنوبية كولومبيا بالذات, وطبعا الهدف هنا ليس اخلاقيا ينطلق من فضيلة المروءة ونخوة الشهامة بقدر ما أن المصالح القومية العليا للولايات المتحدة تتطلب حماية أجيالها الجديدة نفسيا وسلوكيا وصحيا من غائلة التعاطي ومن ثم الادمان, فضلا عن أن هذه المصالح, وليس غيرها تقضي بمواجهة الاتجار في المخدرات ومواد المؤثرات العقلية على حد تعبير الأمم المتحدة في ضوء ما يتخلف عنها من آثار بالغة السلبية بالنسبة للاقتصاد القومي الأمريكي سواء بفعل الأموال المهدرة في الشراء أو بفعل الأموال الداخلة بالتهريب من خلال العمليات المشبوهة لغسل الأموال مما يزيد من اشتعال التضخم ويهدد سلامة الأسواق المالية بشكل عام ناهيك عن اهدار اعتمادات خدمات الرعاية الصحية أو ما تقتضيه مراكز اعادة تأهيل المدمنين. إن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الجديدة مازالت تتبع في ما يبدو المفهوم الذي سبق الى الدعوة اليه مواطننا الدكتور بطرس غالي أيام كان أمينا عاما للأمم المتحدة. لقد كان ضمن ما دعا اليه الدكتور غالي هو عملية بناء السلام بعد انتهاء الصراع. بمعنى أن التدخل العسكري في موقف صراعي ما في هذه القارة أو تلك لا ينبغي أن يكون هدفا في حد ذاته, بل وسيلة لنزع فتيل التوتر أو اسكات قصف المدافع المتقاتلة.. وبعد ذلك تبقى مهمة الجهاد الأكبر كما قد نصفها وهي المشاركة في اقرار السلام وبناء هياكل مجتمع مدني يداوي جراحات الحرب ويحاول استئناف الحياة الطبيعية أو العادية حيث يعود اللاجئون الهاربون من جحيم الاشتباكات وحيث تستعاد خدمات المرافق والمنافع الأساسية لخدمة جماهير الناس وحيث يقدم المجتمع الدولي ما يسعه من معونات لصالح المجتمعات التي تكون قد انهكتها الحرب الى درجة التمزيق أو التدمير. وفي هذا أيضا تقول نيويورك تايمز: منذ حرب الخليج التي اندلعت من 9 سنوات خلت, انطوت أكبر العمليات التي شاركت فيها العسكرية الأمريكية على جهود ومشاريع أخرى طويلة الأجل من أجل حفظ السلام (بعد انتهاء الصراع) كما حدث في كوسوفو مثلا. أخيرا وبالنسبة لسلاح الطيران فقد سادت الأوساط الأمريكية, سياسة وعسكرية آراء تدعو الى صرف النظر عن الأموال الطائلة التي جرى رصدها لصالح انتاج طائرات سوبر متفوقة وسوبر متطورة وهي أجيال كانوا يقصدون بها أن تتجاوز قدرات طائرة (الشبح) وتزيد تكلفة الواحدة منها على 2 مليار دولار! أما الحجة التي يسوقونها من أجل توفير ما يصرف في هذا المجال من جهود وأموال فيقولون فيها على حد تعبير نيويورك تايمز أيضا ذلك ترف باهظ الثمن ينبغي التخلي عنه في عالم لم يعد يعيش فيه أي منافس أو غريم محتمل لأمريكا قادر على تطوير طائرات تفوق ما تملكه واشنطن حاليا من طائرات من طراز اف 16 واف 15. كاتب سياسي من مصر