ما من شك قط, ان قضية العلاقة الاوروبية ـ المتوسطية تتصدر غالبية الاجتماعات الاوروبية, لما تحمله هذه العلاقة من اهمية خاصة قل نظيرها, خاصة للطرف الاوروبي, بسبب المنافع الهائلة التي تقدمها دول الشرق الاوسط بعامة والدول العربية بخاصة, وقد درجت اوروبا منذ وقت مبكر على اتباع سياسة هادئة ازاء الكثير من القضايا العربية والشرق اوسطية, على العكس من مواقف الولايات المتحدة وكانت غالبا ما تحاول تضفي على اية قضية محاولة الاتزان وعدم التحيز خاصة لجهة الصراع العربي ـ الصهيوني وقد بدت تتضح معالم هذه السياسة منذ بداية السبعينيات, وقد جاء هذا التحول بعد ان اصبحت الولايات المتحدة المنافس والقائد المهيمن على اوروبا في منطقة الشرق الاوسط, وبعد ان اتضح للكثير من الدول الاوروبية وفي المقدمة منها فرنسا بان هذا التنافس قائم على اساس من عرض العضلات واشهار القوة وليس على اساس من التنافس الشريف فيما يتعلق بالعلاقات الدولية وتوازن المصالح والتي ارتكزت بالمكانة الاولى, على تقويض الامتدادات الاوروبية بشكلين الاول: يأتي من خلال الضغط على الدول الاوروبية المتحالفة معها ان كان بشكل جماعي عبر مؤسسات حلف شمالي الاطلسي او على شكل انفرادي من خلال استغلال الرشاوى والهبات والتقدمات المجانية مثلما فعلت مع الدول الاسكندنافية, وهولندا واذا تعذر ذلك مع بعض الدول الاخرى مثل فرنسا تحاول اثارة المشكلات في مناطق نفوذها الشرق اوسطية من اجل كنسها لكي تعود الى بيت الطاعة الامريكي والامثلة اكثر من ان تحصى اما الشكل الثاني فقد تمثل في الضغط على الطرف الآخر وهو الاضعف اي دول الشرق الاوسط بشتى الوسائل, التي تقيم علاقات مميزة مع الدول الاوروبية على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي بما يؤمن لها مصالحها بمعزل عن مصالح الدول الاوروبية واذا ما خسرت الرهان عبر ادوات ضغطها تحاول لكن بطريقة اخرى, خلق مشكلات داخلية لهذه البلدان فلا غضاضة عندها من ان يصبح صديق اليوم عدو الغد, في خلق العديد من الصراعات الداخلية حتى الدامية منها والامثلة ايضا اكثر من ان تحصى والحرب الاهلية اللبنانية في نهاية العام 1975 الشاهد الاكبر على مثل هذه السياسة البراجماتية. ومنذ تلك الفترة بدأت بعض السياسات الاوروبية الهادئة, وردا على السياسة الامريكية المتبعة تسعى لايجاد حالة من التوازن في المواقف المعلنة وغير المعلنة التي تحاك في اروقة الدبلوماسية العربية ـ الاوروبية وتشجع الاطراف العربية على انتهاج مواقف اكثر عقلانية دون الانصياع لإملاءات الولايات المتحدة واسرائيل لكن بالاشكال الدبلوماسية الخفية البعيدة عن عدسات المصورين ووسائل الاعلام المكشوفة خوفا من الانعكاسات السلبية التي قد تجرها مثل هذه السياسات عليها وعلى مستقبل الراوبط التي تقيمها مع بلدان المنطقة بشكل عام لكن رغم الصعوبات التي تقع على جنبات السياسة الاوروبية والتي تحد من تأثير رياحها على المنطقة بقيت فرنسا ومن يدور في فلكها اوروبيا تسعى لاخذ دور مميز ولم تتوان في طرح الخطط والمشاريع والبرامج الرامية الى احلال السلام في منطقة الشرق الاوسط انطلاقا من رؤيتها الاستراتيجية التي تصب في تحقيق مصالحها على كافة الاصعدة بما في ذلك تحقيق ما يسمى بالشراكة الاوروبية ـ المتوسطية وانطلاقا من هذه الارضية نشهد هذه الايام الكثير من ابداء الاهتمامات الاوروبية المتعلقة في قضايا المنطقة وقد ازداد هذا الاهتمام بعد الفشل الذي لحق في قمة كامب ديفيد 2 ويعتبر اجتماع وزراء خارجية الدول الاوروبية في الايام القليلة الماضية, في المدينة الفرنسية ايفيان حتى ولم يحمل صفة رسمية لبحث سبل دفع المسار السلمي, موشرا حقيقيا على التحول الحاصل في السياسة الاوروبية ولعل ما قاله وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين ان ما يشغل المجتمعين هو كيفية المساعدة على دفع المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية دون ان يتسبب ذلك في تعقيد الامر اشارة واضحة كل الوضوح الى الاعتراضات السابقة الامريكية ـ الاسرائيلية على الدور الاوروبي, بدعوى ان العملية برمتها لاتحتمل الكثير من الوساطات ومساحتها تضيق ذرعا بأي طرف غير الطرف الامريكي وحده كراع للعملية السلمية. لكن من جهة اخرى نعود لنتساءل هل اصبحت اوروبا قادرة فعلا على انتهاج طريق مستقلة وطليقة بعيدة عن الرؤية والشروط الامريكية خاصة الشق المتعلق في الصراع العربي ـ الصهيوني؟ فللوقوف على حقيقة الاشياء لابد لنا من تجزئتها او تقسيمها فبالنسبة لفرنسا اصبح الكل مدركا لحقائق غاية في الاهمية وتتلخص بان الموقف الفرنسي على المستوى الداخلي يعيش حالة من عدم التوحد فمنذ ان دخل اليسار الفرنسي الى السلطة بدأ موقف الديجوليون بتراجع ملحوظ وقد بدأ يظهر بانه مقيدا بعدة عوامل وهي التعايش مع اليسار حيث ان حكومة ليونيل جوسبان الاشتراكية عكست انحيازا الى اسرائيل وهو الامر الذي يختلف جذريا مع توجهات وخيارات الرئيس جاك شيراك الاكثر اعتدالا وبراغماتية والاهم من هذا هوالعمل على تقييد الدور الفرنسي بشكل قسري وزجه في دائرة المحدودية والمتمثل بالتزام باريس اولا وقبل كل شيء بوجهات النظر الاوروبية ناهيك عن ان الدول الاوروبية الخمس عشرة تعيش حالة من التنافس القوي في داخل الاتحاد الاوروبي الامر الذي جعله اقرب الى حالة عدم التوازن في اتخاذ موقف موحد ازاء مثل هذه القضايا الساخنة في منطقة الشرق الاوسط, وبالاخص العملية السياسية المتعثرة على المسارين الفلسطيني والسوري في آن معا دون ان نغفل حقيقة قد تكون غاية في الاهمية ان الدور الفرنسي اقتصر حضوره السياسي على دبلوماسية مكوكية تبحث في اغلب الاحيان عن اسواق للسلع وليس عن فرض تسويات قد يترتب عليها مواقف وتدفع اثرها فواتير سياسية وقد ظهر هذا الامر في تصريح الدبلوماسية الفرنسية التي انطلقت في اجتماعات ايفيان من ان فرنسا تأمل من الاجتماع معرفة موقف شركائها في حال اعلان الدولة الفلسطينية في 13 سبتمبر الجاري من جانب واحد وتجاهلت فرنسا اصدار اي موقف في هذا الشأن في نهاية اعمال الاجتماع وقد اظهر هذا الموقف ضعف السياسة الفرنسية اكثر من خلال الاجتماع الذي عقده الرئيس المصري حسني مبارك مع ليونيل جوسبان رئيس الوزراء الفرنسي والذي رأى الثاني ان كل ما يمكن تقديمه ابداء النصائح المستندة الى اخلاقية كنسية محضة دون اعلان موقف في ما يخص القرار 242 بما يتضمن ذلك قضية القدس والمشكلات الخطيرة, التي باتت تهدد ليس عملية السلام فحسب بل وتنذر بانفجار خطير على صعيد المنطقة بشكل عام. اما بريطانيا فحدث ولا حرج فمنذ ان تحالفت بريطانيا والولايات المتحدة اثناء الحرب العالمية الثانية نشأت بينهما علاقة وثيقة, وصفها الجانبان بانها علاقة خاصة نظرا لروابط اللغة والقيم بما فيها الدينية والتاريخ والمصالح الاستراتيجية والاقتصادية المشتركة في اوروبا وما بعدها ومنذ مايزيد على نصف قرن من الزمن اي بعد انقضاء الحرب العالمية وبعد ما يقارب من عشر سنوات على انتهاء الحرب الباردة لاتزال الدولتان تعملان عن كثب في الكثير من القضايا الدولية من العراق الى كوسوفو هذا اذا ما تجاهلنا الروابط الشخصية التي تجمع الرئيس الامريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير قد اخذت شكلا من اشكال المودة لم يسبق له مثيل منذ ان كان رونالد ريجان ومارجريت تاتشر في الحكم ومازالت بريطانيا والولايات المتحدة من خلال التزامهما في حلف شمالي الاطلسي تقودان التحالف الغربي وتعاونتا معا على مد نطاقه ليشمل العديد من الدول الشيوعيةالسابقة على مستوى الجغرافيا الاوروبية دون ان تتناسى حقيقة تطابق موقفي الدولتين ازاء القضية الفلسطينية والخلفيات السياسية والعقائدية لذلك الموقف الذي يؤمن ايمانا مطلقا بضرورة بناء الهيكل من اجل العودة الثانية للمسيح على الارض اي بضرورة بقاء القدس موحدة تحت السيادة الاسرائيلية التي يمكنها ان تؤمن هذه الشروط الاعتقادية وهنا يمكننا القول انه لا مجال للفصل بين الموقف البريطاني ازاء مجمل القضايا العربية برمتها والموقف الامريكي منها وان الروابط بين هاتين الدولتين اقوى من الروابط الجغرافية حتى ان الرابط الجغرافي هو رابط وهمي بالنسبة الى الحقائق التي تستند اليها هذه العلاقة, وان الرؤية الاوروبية من مختلف القضايا بما في ذلك القضايا الاوروبية الداخلية كوحدة اوروبا على سبيل المثال لاتتطابق في اغلب الاحيان مع الرؤية البريطانية اللهم الا اذا تطابقت هذه الرؤية مع الرؤية الامريكية حصرا اما المانيا فهي في واقع الامر بعد ان سقط المستشار هلموت كول, في اخر انتخابات جرت منذ سنتين تعيش حالة من عدم ثبات الهوية على المستوى الداخلي الذي ادى بدوره الى حالة من عدم الاتزان السياسي على المستوى الخارجي فيما يخص العلاقات والقضايا الدولية وهي بالاضافة الى هاتين المشكلتين غالبا ما تلوذ بالمواقف الفرنسية ازاء الكثير من هذه القضايا لانها لاتزال تعيش حالة من عقدة الذنب كما انها غير قادرة على التخلص من الاتاوات المفروضة عليها من قبل المؤسسات الصهيونية العالمية بحجة الهولوكوست فكيف لها ان تتخذ موقفا بشأن القدس وغيرها من القضايا العالقة على جبهة التسوية عربيا؟ لكن رغم هذه الصورة السوداوية لابد من الاعتراف بان اوروبا رغم مواقفها الخجولة المجبولة بالخوف من الشريك الاكبر لاتزال تعمل في البحث عن اتخاذ دور يتناسب مع حجمها التاريخي ووزنها العالمي بالاضافة الى ان تبقى العلاقات العربية معها, وتبقى مبعثا للتفاؤل واطارا لايمكن الاستغناء عنه ايا تكن موازين القوى ومحدداتها وميولها وان كسب ود الشارع الاوروبي آجلا ام عاجلا سينعكس بحالة ايجابية على مجمل القضايا العربية وسيحد من التأثير اليهودي والتعبئة الكاذبة التي لاتزال قادرة على تعمية الفكر السياسي والاجتماعي الاوروبي. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق