مؤلم جداً أن يعيش المرء الغربة في هذا العصر بشتى ضروبها ومختلف ألوانها ومعظم أصنافها, غربة المنافي التي تورث الإنسان المآسي, وغربة النفس التي تصبح عبئا ثقيلا, وهما كبيرا. وغربة الوطن التي تجعل القلب يعيش وطأة المحن. وغربة هذا العصر التي لم تعد مجرد مغادرة الإنسان للمكان عبر خطوط طيران, تقذف به من مطار إلى مطار, ومن قطر إلى أقطار, غربة كلها ألم وكربة, غربة حولتها الحياة العصرية والضغوط المادية, إلى مجرد مصالح, جمعت الصالح مع الطالح. لقد تألمت كثيرا وأنا أتابع مؤخرا قضية أحد الشباب من الذين اضطرته الظروف التي قضت بطلاق أبويه أن يكون قابعا في وطنه بينما والده في بلد ووالدته في بلد آخر, شغلتهما الغربة وجمع الأموال عن رعاية فلذات الأكباد.. ولأن المشاكل تعددت, والمصالح تنوعت, لم يستمر الوفاق.. فحدث الطلاق.. وكانت الكارثة على الأبناء. ولأن ذلك الشاب كان طالبا جامعيا يحتاج إلى الاستقرار النفسي بما يعينه على التحصيل العلمي وبما يساعده على استشراف مستقبله بشكل متوازن يحقق له طموحاته, ويجعله يتفاخر بنفسه وسط أقرانه. حاول أن يصلح بين أبويه لكن محاولاته باءت بالفشل وكان مصيره هو الفشل! فعاش غربته في وطنه فأهمل دروسه وترك جامعته.. وحتى يؤمن متطلبات حياته.. سلم نفسه لشيطان الاغراء فكانت النهاية.. وحاول أن يبحث عن نفسه فلم يجدها.. وعن أسرته فضاعت منه.. وعن مستقبله فنظر في آخر نفق حياته فوجده مظلما.. وعن أمه فكانت مصدر ألمه.. وعن رفاقه فقد انفضوا من حوله فهو لم يعد بقرة حلوب تضخ الأموال كما كان. على المغتربين ولا أستثنى نفسي ألا يجعلوا المال يشغلهم ويبدل أحوالهم.. فأقسى غربة هي غربة النفس.. وأصعب غربة هي غربة الوطن.. وأتعس غربة هي غربة المنافي.. وإذا تصالح الإنسان مع نفسه وقنع بما قسم له فالكوخ هو القصر والأشواك هي الزهر.. وكل الأموال لا تعادل ستر الحال. تاج السر أبو سوار