الرياض هذا الاسم العربي المتفائل الذي جرى على عادة العرب في التفاؤل والرجاء كتسميتهم الصحراء بالمفازة, واللديغ بالسليم فهي وان كانت الساعة حاضرة عربية تموج عمراناً وخضرة ونضارة وبشراً, إلا أنها قبل ذلك لم تكن تعدو ان تكون بلدة صغيرة شحيحة الأرض قليلة الماء والشجر, لا تزيد عمرانا ولا شجراً ولا ماء عن سواها من حواضر الجزيرة العربية ومدنها, ومن سماها الرياض وهي كذلك لا شك انه كان جد متفائل وكأني به وقد رمى ببصره الى الافق البعيد يستقرىء التاريخ القادم بتفاؤل جم, من كان يظن ذلك والرياض قرية صغيرة معزولة ابرز معالمها واعلاها قصر المِصْمَك ذلك الشاهد التاريخي على تحولات القرن في الرياض, ذلك الشاهد الوحيد الذي لا يزالُ حيّا يختزن في ذاكرة أبوابه وجدرانه وممراته وأبراجه العتيقة ذكرى التحول العظيم في تاريخ الرياض, ذكرى سُراةِ الليل الذين انشقت عنهم شفة الصباح فإذا الرياض مفتوحة الصدر ترمي بذراعيها الى الافق تحتضن الفاتح العائد المتَلّفِع بغبار الصحراء الذي ما وصل وصَحْبِهِ الاشاوس إلا وقد مروا بكثبان الجزيرة, نجودها واغوارها مرور عاشقين لا يستقرون على حال لا يملكون الا ان يهمسوا لكل ما مروا به انهم على موعد عشق مضروب مع تلك المتمنعة البعيدة ولكنه كان همسا لغير ذي وشاية, همس العاشقين للارض بغورها ونجدها لكل صامت فيها لا يبوح ببنت شفة ولم تكن الارض الا ظهر ذلولٍ حانية كانت لهم اوديتها بطونا وآكامها ظهوراً تحملهم وتُسْلِمُهم إلى أن اقترب البعيد وصار الوصال مطمعاً يرتجى والآمال قاب قوسين أو أدنى فاتخذ السُراة من الليل جناحا يسكنون ظلامه والفجر موعدا, بَعْدَهُ كانت الرياض عاصمة الفاتح السعودي عبدالعزيز بن عبدالرحمن الذي رمى بنفسه وصحبه في قلب القليب وعين العين الحمئة وهو يعلم ان الامر منبلج لا محالة عن أحد أمرين إما النصر والفتح وإما كاس المنية المُرّ والهزيمة والضياع في صحراء الجزيرة العربية, ولكن الرياض كانت على موعد مع عبدالعزيز والفتح والانفتاح على مشارق الأرض ومغاربها وكأني بها كانت تتعلق بأطراف ثياب عبدالعزيز تَجُرهُ الى قلبها ليكون فاتحها وفاتحتها الى عوالم لا تنتهي من الفتوحات التي كان اولها قلب الرياض واخيرها وليس آخرها انفتاح الرياض على العالم عاصمة ثقافية عربية تشمخُ مع غيرها من عواصم العالم العربي الثقافية كالقاهرة وبيروت والتي يوم ان كانت حواضر عربية تعج بأوجه المدنية ومعالمها كانت الرياض بيوت طين وقامات نخل قليلة تتلهف لسُقيا الغيث تلهف العاشقات بعد طول فراق. وها هي الرياض اضحت قامة في وقت هو من عمر الزمان ليس بالطويل جداً, وانه من مفاخر الزمان العربي ان تمد تلك البلدة الصغيرة قامتها في غضون ما لا يزيد على المئة سنة ميلادية حتى تقف شامخة الرأس في مصاف الأخريات الضاربات في أغوار التاريخ بل تفوق بعضها حتى تنال قبلها قصب السبق فتنتخب عاصمة ثقافية عربية تزهو على سواها من التي كانت يوما معالم على طريق الثقافة والمعرفة والحضارة العربية, وما كان شموخ الرياض الثقافي هذا بسبب ابنية تشق عنان السماء وقامات اسمنت فارغة تزيد الفضاء ضجيجاً وتَشْغَلُه بالاسمنت والزجاج والحديد, ولكن شموخ الرياض هذا شموخ ثقافي حقيقي, قاماته ارواح مثقفة مشغولة دائما بالهم الثقافي الذي لا ينفك انسانياً, هَمُّه الانسان والوجود كُله, وعقول مفكرة شاغلها الابداع الفكري الذي هو الثروة الحقيقية التي يفخر بها كل بلدٍ متحضر قبل ان يفخر بمخزونه واحتياطيه من الذهب الاسود والاصفر, فالرياض عاصمة ثقافية عربية لا لانها عاصمة النفط والبترول والمعادن بل هي كذلك لانها عاصمة يخطر في آفاقها علماء اجلاء وفقهاء وأدباء وشعراء ومفكرون كلهم اعلام وهم جميعاً يمثلون ثلة تتقدم الاجيال المثقفة السعودية السائرة على الاثر, لا بتقليد اعمى بل بتمسك واعٍ بقواعد الأثر والاساس العقدي والاصالة الادبية والاتزان الفكري مع تجديد واعدٍ متميز فهم بذلك لا يتخذون الاثر صنما ولا يجعلون من ولعهم بالتجديد مستقبلهم عدماً ضائعاً منقطع الصلة بالجذور والاصول. ولو شئنا ان نعدد فرسان تلك الثلة المتقدمة من فرسان الثقافة العربية في الرياض والمملكة السعودية لاحتجنا في ذلك الى صفحات بيضٍ تزداد بياضاً بسواد المحابر الفياضة التي لابد لها من نفاد امام تلك الثلة التي لا تعد ولا تحصى من افذاذ الثقافة السعودية المعتصمة بالرياض. ويكفيك من اولئك ان نعد ولا نحصي (الامير الشاعر عبدالله الفيصل والشاعر والاعلامي الاول عبدالله بالخير والدكتور الشاعر غازي بن عبدالرحمن القصيبي والشاعر المبدع الراحل حسين سرحان والاستاذ الشاعر محمد حسن فقي والاديب الكاتب الفقيه الشيخ ابو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري والشيخ الاديب عبدالله بن خميس والاديب عبدالله بن ادريس ومؤرخ الجزيرة العربية وعلامتها الشيخ حمد الجاسر والشيخ الاديب الدكتور محمد بن سعد بن حسين والاستاذ الاديب الناقد الدكتور منصور الحازمي والشيخ عبدالعزيز التويجري) وهؤلاء غيض من فيص فرسان الكلمة والثقافة والعلم السعودي الذين هم بُناة تلك العاصمة الثقافة ولبناتها, وان ثقافة بغير أولئك لدعاوى لا حقيقة لها, فليست الثقافة ابنية وصروحا تبنى ولكنها قبل ذلك انسان يبنيه مجتمعه الطامح للمعرفة حتى إذا تم بناء الانسان العالم المثقف كان بناء الصرح الثقافي هينا ميسورا, وهذا لا يعني ان الرياض بل المملكة خالية من صروح الثقافة والعلم بل هي المملكة ذات الجامعات السبع العريقة التي لطالما خرج من تحت عباءتها ومن تحت اجنحتها طلاب علم متميزون اضحوا بعد ذلك علماء اجلاء ملأوا الزمان علما ونورا وعطاء. ولو شئت ان استرسل في الحديث عن الرياض عاصمة الثقافة العربية لكان ذلك مجرد مقدمات لا تفي الرياض حقها ولكن حسبنا, نحن العرب ابناء الجزيرة والخليج ان تكون الرياض مع الكويت والشارقة عواصم ثقافية نفخر بها, ونحدث الرياض حبيباتنا فنقول كما قال القصيبي: وفاتنة أنتِ مثل الرياض ترق ملامحها في المطر وقاسية أنتِ مثل الرياض تعذب عشّاقها بالضجر ونائية أنتِ مثل الرياض يطول إليها.. إليكِ السفر