هل يتلاشى مشروع المبادرة المصرية الليبية لتحقيق مصالحة بين الحكومة السودانية والمعارضة تدريجيا ليدخل التاريخ كصفحة مطوية؟ وهل هذا الموقف المائع بين اللامصالحة والمصالحة, ملائم لمصالح كل من القاهرة والخرطوم على حساب المعارضة السودانية؟ حتى الآن مضى على اطلاق مشروع المبادرة ما يقارب 14 شهرا. ومع ذلك, ورغم تزاحم التصريحات الصادرة عن كل الاتجاهات بصورة يومية وطلوع ونزول مسئولين مصريين وليبيين وسودانيين وتوالي اجتماعات ومؤتمرات, لا تزال المبادرة في المربع الاول .. او قل انتقلت منه بالكاد. لكن اللافت للنظر حقا ان مسار تطور العلاقات السودانية المصرية على الصعيد الرسمي الثنائي قصة مختلفة تماما. فالعلاقات بين الخرطوم والقاهرة تحقق نقلات نوعية متسارعة الايقاع في مجالات الاقتصاد والتجارة والأمن .. بل وعلى صعيد العلاقات الدولية منطلقة فيما يبدو صوب تكوين شراكة استراتيجية دائمة. والسؤال الذي يطرح هو: هل هناك علاقة طردية بين تباطؤ مسار المشروع التصالحي من ناحية وتسارع خطى التعاون الاستراتيجي بين السودان ومصر على الصعيد الرسمي؟ لقد انطلقت المبادرة المشتركة اول ما انطلقت من العاصمة الليبية طرابلس, ولكن ما ان تحركت قليلا حتى دخلت القاهرة على الخط ومنذ ذلك الحين يمكن القول ان القاهرة استطاعت ان تمسك بكل الخيوط بحيث يمكن القول ايضا ان مشروع المبادرة صار مع مرور الشهور مصريا اكثر منه ليبيا, وفي كل الاحوال فان مصر كانت وسوف تظل تقليديا في موقف افضل من اية دولة اخرى لمعالجة الشأن السوداني وتعقيداته. لكن ليس سرا ان القاهرة امسكت بزمام المبادرة في هذا السياق من اجل توجيه مسار الامور والتطورات من منظور المصالح الحيوية المصرية المتصلة بالسودان هي مصالح متعددة: هناك الشأن الامني حيث يهم القاهرة ان تطمئن ان الاجندة الاسلامية للنظام الحاكم في الخرطوم ليست على الاقل قابلة للتصدير, وتجاريا تنظر مصر الى السودان كسوق طبيعية لفائض منتجاتها الصناعية, وهناك بالطبع قضية (الممتلكات المصرية) في السودان واهم من هذا كله مياه النيل وارتباطها بقضية مستقبل جنوب السودان, ففي مواجهة مجموعة دول حوض النيل الافريقية (ثماني دول عدا مصر والسودان) وصراعها المتنامي حول كيفية اقتسام حصص مياه النيل تحتاج مصر للسودان اولا كحليف في هذا الصراع, وثانيا من اجل ضمان تنفيذ مشروعاتها المستقبلية في اعالي النيل الابيض الهادفة الى مضاعفة حجم موارد النيل .. الامر الذي يتطلب الحيلولة دون انفصال جنوب السودان ليصير دولة مستقلة لا يمكن التنبؤ بتوجهاتها. واذا ترجمنا منظومة هذه المصالح الحيوية الى اللغة السياسية فان قضية السودان تكون من المنظور المصري على النحو التالي: تحقيق وفاق سوداني بين الحكومة والمعارضة هو الوضع الامثل لمصر اذا قام هذا الوفاق على مرتكزين رئيسيين: اولا, اقصاء الجناح المتطرف في الحركة الاسلامية السودانية الذي تمثله زعامة د. حسن الترابي ثانيا, الاجماع على ان اية تسوية سياسية سلمية مستقبلية لقضية جنوب السودان يجب ان تنحصر في اطار وحدة البلاد .. بالتالي استبعاد مبدأ تقرير المصير للجنوبيين. هذا بالطبع الوضع المثالي, لكن السياسة هي فن الممكن, فماذا لو تعذر تحقيق الوفاق بين الحكومة والمعارضة .. او تعثرت خطاه؟ لاشك ان هذا هو السؤال الالحاحي الذي ظل يطرحه المسئولون المصريون وهم منشغلون بجهود الوساطة المكثفة لجمع الحكومة السودانية والمعارضة على كلمة واحدة. وخلال الاربعة عشر شهرا الاخيرة لابد ان كبار المسئولين المصريين الذين يتعاملون مع الملف السوداني قد توقفوا قليلا في نقطة زمنية ما للبحث عن اجابة برجماتية لهذا السؤال, ليس من منظور الاستقرار السياسي في السودان, فحسب بل ايضا من منظور المصالح الحيوية المصرية .. وكيفية التقائها مع المصالح الحيوية السودانية كما تراها الحكومة في الخرطوم.