بالرغم من وحدة التاريخ والجغرافيا والهوية فإن التركيبة الاجتماعية في الصومال تتسم بالتنوع والانقسام الشديدين الى حد التناقض, وشكلت هذه التركيبة العقبة الكبرى في طريق الوحدة الوطنية الصومالية, وقد اخفق النظام الشمولي للرئيس السابق محمد سياد بري (1969 ـ 1991) في احتواء الوحدات القبلية والعشائرية التي تشكل الحلقة الاقوى في التنظيم السياسي والاجتماعي في الصومال وعليه ما ان انهار نظام بري حتى عادت القبيلة والعشيرة تتصدر الساحة السياسية الصومالية, ومع اشتداد حرب الامتيازات والتنافس بين زعماء القبائل شهد الشعب الصومالي المزيد من الانقسام الاجتماعي والسياسي والاقليمي الى درجة بات يصعب فيها الحديث عن الصومال الواحد, فعادت الى ارض الواقع الدويلات التي كانت قائمة في الحقبة الاستعمارية: الصومال البريطاني (جمهورية ارض الصومال) والصومال الاوجاديتي (الحبشة) والصومال الايطالي, ومنطقة الصومال الكيني... الخ تطرح نفسها ككيانات اقليمية, ومع اعلان جمهورية ارض الصومال الاستقلال في مايو 1991. وتفجر الحرب الدموية بين زعماء القبائل والاحزاب والتي كانت الحجة الرسمية لدخول القوات الامريكية الى البلاد ومن ثم خروج هذه القوات في مارس 1995 دخلت الازمة الصومالية في مرحلة غيبوبة سياسية بسبب استمرار التمزق السياسي والاجتماعي والفوضى والعنف والتدخلات الخارجية فضلا عن الجوع والتخلف والفقر والجفاف والتي ساهمت جميعها بهذا القسط او ذاك في زيادة الاقتتال الداخلي والانقسام والتشرذم الذي وصل الى العائلة الواحدة في الالتفاف حول هذا الزعيم او ذاك. ومع استشراء حالة الانقسام والحروب اضحت للأبعاد الدولية والاقليمية تأثيرات كبيرة على مختلف وجوه الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في الصومال, فقد اجتاحت اثيوبيا جنوب غرب الصومال وبسطت سيطرتها على اقليم غلو واقامت منطقة امنية عازلة على غرار المنطقة الامنية التي اقامتها اسرائيل في جنوب لبنان بحجة ابعاد خطر المقاتلين الاسلاميين الذين ينتمون الى تنظيم الاتحاد الاسلامي الصومالي, واتجهت كينيا الى ممارسة نفوذها في اقليم ان ان دي, من جهتها دعمت اريتريا حسين عيديد ابن الزعيم الراحل الجنرال محمد فرح عيديد الذي كان له دور بارز في توجيه ضربات موجهة للقوات الامريكية, ولم يصمد المؤتمر الصومالي الموحد الذي اختار علي مهدي محمد رئيسا مؤقتا للبلاد, فقد انقسم قطبا المؤتمر (عيديد ومحمد) ودخلا في حرب السيطرة على العاصمة مقديشو, وفي الوقت الذي انشغلت فيه الجبهة القومية لتحرير الصومال في الجنوب الغربي بالتحديات الاثيوبية والكينية اتجه الشمال (جمهورية ارض الصومال) الى قطع جميع علاقاته مع باقي انحاء الصومال, وهكذا أضحت البلاد امام تحديات الهوية والدولة والوطن. المصالحة الوطنية في ظل احتدام الازمة الصومالية وتفاقم تداعياتها الخطيرة على مستقبل الصومال والصوماليين اتجهت الانظار الى امكانية المصالحة الوطنية بين الفصائل المتحاربة, والى تفعيل المبادرات الدولية التي طرحت لهذه الغاية, كمؤتمر جيبوتي في يوليو عام 1991 الذي اكد بيانه الختامي على ضرورة اعادة الاعتبار لاجهزة الدولة وتكوين مجلس تشريعي يمثل جميع الفصائل الصومالية, بعد اخفاق المؤتمر في تحقيق المصالحة الوطنية افتتح الامين العام للامم المتحدة في عام 1993 في اديس ابابا المؤتمر التحضيري للمصالحة الوطنية في الصومال وحضره قادة اربعة عشر فصيلا صوماليا, وبالرغم من ان المؤتمر انتهى الى الاتفاق على تشكيل مجلس وطني انتقالي يضم جميع الفصائل الصومالية وله الحق في التعامل مع الدول والهيئات بوصفه يمثل الشرعية السياسية في البلاد الا ان هذا المؤتمر مثل سابقه اخفق في تحقيق المصالحة المنشودة, بعد ذلك جاهدت جامعة الدول العربية ومصر, ونجحت الاخيرة في عام 1998 في ان تجلس قادة الفصائل المتحاربة جنبا الى جنب والدخول في حوار صريح نتج عنه اتفاقية القاهرة للمصالحة وتشكيل ادارة من الاقاليم بهدف الحفاظ على مقومات الدولة الصومالية. بعد ذلك جاءت مبادرة جيبوتي الثانية التي اطلقت في سبتمبر 1999 بدعم من منظمة التنمية الاقليمية المشتركة IGAD (اريتريا, السودان, الصومال, اوغندا, جيبوتي, كينيا, اثيوبيا) والتي انتهت اخيرا بانتخاب البرلمان الصومالي الجديد عبد القاسم صلد حسن رئيسا للصومال (كان نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للداخلية في حكومة الرئيس محمد سياد بري) وبالرغم من تأكيد الرئيس المنتخب بأن حكومته ستكون حكومة لكل الصوماليين وستعمل من اجل احلال السلم الاهلي في البلاد فإنه سرعان ما اعلنت بعض الفصائل الصومالية رفضها الاعتراف بالرئيس المنتخب وهددت بتفجير حرب اكثر دموية في البلاد. مع التأكيد بأن ما حصل هو انجاز سياسي وخطوة في الطريق الصحيح الذي يمكن له ان يوفر الارضية اللازمة للخروج من دوامة الصراع القبلي والميليشياوي والتوجه نحو الوفاق والتنمية اذا ما غيرت الفصائل المعارضة مواقفها وانخرطت للمساهمة في انجاح مهمة الرئيس صلد حسن فإن المخاطر الكبيرة ستظل تطرح نفسها بقوة في ضوء التجارب السابقة والاتفاقات التي تمت بين الفصائل المتحاربة والتي انتهت جميعها الى الاخفاق, اذ ان كل فصيل يملك من الاسلحة والعناصر والمقومات للبدء بدورة عنف جديدة في اية لحظة يشعر فيها بأن امتيازاته باتت مهددة وان نفوذه القبلي والعشائري في طريقه الى الانحسار, عند هذه النقطة بالضبط و في ضوء التجارب السابقة ينبغي القول ان جميع المبادرات الخارجية معرضة للفشل ما لم تحظ هذه المبادرات بإجماع الصوماليين انفسهم, وتأخذ في العمق خصائص التركيبة الاجتماعية الصومالية التي تنقسم الى قبائل وعشائر وأفخاد وعوائل فضلا عن الاختلاف القائم بين الاقاليم الصومالية التي تتجاذبها التدخلات الخارجية وابعاد الصراعات الجارية في منطقة القرن الافريقي. ان مهمة الانتقال بالمجتمع الصومالي المسيس والمنظم تنظيميا جيدا في اطار القبيلة والعشيرة الى مرحلة الدولة والمؤسسات الوطنية لا يمكن ان تتم بالمبادرات الخارجية فقط. وأية مبادرة لن تلقى النجاح ما لم تحظ القبيلة كوحدة اجتماعية وثقافية واقتصادية بخصوصيتها وامتيازاتها ويتم استيعابها في مؤسسات مجتمعية ضمن برنامج مرحلي يفضي الى التحول الى مؤسسات الدولة. واخفاق تجربة الرئيس السابق محمد سياد بري التي قامت على الغاء القبيلة والتنوع الاجتماعي وحل الاحزاب السياسية مقابل الاعتماد على اجهزة الدولة الفوقية تؤكد هذه المسألة وتشير في الوقت نفسه الى ان الجذور الاجتماعية للأمة الصومالية عميقة وينبغي اخذها بعين الاعتبار في اي عملية مصالحة وطنية من اجل الانتقال الى مرحلة الدولة, الا انه ينبغي القول انه بقدر العقبات التي تعترض قيام الدولة الصومالية المنشودة والتوجه نحو التنمية والنمو خدمة لجميع الصوماليين فإن عوامل الوحدة موجودة ايضا والتي تتمثل في وحدة الهوية الوطنية والقومية والدينية التي جمعت الصوماليين في امة واحدة على امتداد التاريخ.