توجد مسائل كثيرة يجب على العرب الا يتعاملوا مع التصريحات الاسرائيلية الرسمية وغير الرسمية بشأنها وكأنها غير قابلة للتغيير. من نتائج قمة كامب ديفيد انها ألغت بعض المحرمات الاسرائيلية او ما يبدو انه من المحرمات الاسرائيلية وانها ازاحت الوهم عن تصريحات رسمية وغير رسمية اسرائىلية. في هذه القمة اخرج موضوع السيادة على القدس من نطاق هذه المحرمات وانهيت اسطورة (القدس الموحدة عاصمة ابدية لاسرائىل) وتمثل هذا المحرم في قبول اجراء مفاوضات مع الفلسطينيين على مسألة السيادة على القدس, ناهيكم عن قبول ان يعاد القسم الشرقي من المدينة او اجزاء منه اليهم. كانت الاغلبية الساحقة من اليهود في اسرائيل ومن الصحف العبرية ترى ان طرح مسألة السيادة على القدس على طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين من المحظورات المتعاقبة فإن القدس بشطريها الغربي والشرقي غير قابلة للتقسيم وانها عاصمة ابدية وموحدة تحت السيادة الاسرائىلية. كان موضوع ما يسمى (القدس بؤبؤ العين الموحدة) بمثابة (بقرة مقدسة) من المحظور ذبحها. واتضح في المؤتمر ان الكلام عن المحظور وعن (البقرة المقدسة) وعن (المدينة الموحدة الى ابد الآبدين) ليس سوى وهم. ولهذا التغير في الموقف الاسرائيلي حيال مسألة السيادة على القدس اهمية كبيرة لانه يدل على امكان تغيير هذا الموقف الذي يبدو شديد التشدد حيال عدد من المسائل الخلافية بين الفلسطينيين والاسرائيليين. نقلت تقارير صحفية ان يوسي بيلين وزير القضاء الاسرائىلي كان احد الذين اسقطوا هذا المحرم. اعرب بيلين عن شكه في وحدة القدس, واعتبر هذه الوحدة وهمية. واعتبر الاعتقاد بوحدتها خطأ. وقال ان بعض الاحياء العربية المحيطة بالقدس لا تطأها قدما اي يهودي, وانه لا يعترض على الاعتراف بالسيادة الفلسطينية على تلك الاحياء. وورد في تقارير صحفية ان شلومو بن عامي وامنون شاحاك اللذين كانا الوزيرين الوحيدين في الوفد الاسرائىلي المفاوض في قمة كامب ديفيد مارسا الضغط على باراك لتقديم تنازلات ـ من المنظور الاسرائيلي ـ بشأن القدس. واذا كانت هذه التقارير صحيحة فمعنى ذلك ان هذين الوزيرين اسهما ايضا في اسقاط هذا المحرم. ان اسقاط او عدم اسقاط هذا المحرم لا يضيف الى مشروعية الموقف الفلسطيني حيال السيادة على القدس والى الحق الفلسطيني فيها. غير ان هذا الاسقاط يعتبر تغيرا جليا في مضمون الخطاب الرسمي الاسرائيلي. والحقيقة هي ان القدس لم تكن موحدة منذ سنة 1967 ولن تكون موحدة (انظر ميرون بنفينستي, عضو مجلس بلدية القدس سابقا, في (الاهرام الدولي) , 29 يوليه 2000, ص 17) ولم تنشأ علاقات جوار بين العرب واليهود في القدس (انظر ارنون يكوتيئيلي, رئيس المعارضة في مجلس بلدية القدس, المصدر نفسه). المدينة ما فتئت مقسمة. ويمكن بالوقوف على بعض التلال المترامية في القسم الشرقي من القدس مشاهدة الخط الاخضر الفاصل بين شطري المدينة والحواجز الفاصلة بينهما. والظروف التي يعيش في ظلها العرب في القدس ليست هي الظروف التي يعيش في ظلها اليهود في المدينة والشرطة الفلسطينية هي التي تفرض القانون والنظام في الجزء الشرقي من القدس. وخدمات الماء والكهرباء منفصلة بعضها عن بعض. وكثيرون من اليهود يشعرون بالاغتراب والخوف في الشطر الشرقي من القدس, ولدى كثيرين من العرب الشعور نفسه في شطرها الغربي. في هذه القمة وافق ايهود باراك على التفاوض على القدس. بالنظر الى سياسة اسرائيل التي اعتبرت القدس الشرقية جزءا من عاصمتها فإن مجرد موافقة الطرف الاسرائىلي على التفاوض بشأن السيادة على المدينة يعد تغيرا في الموقف الاسرائيلي. لقد تبنى باراك في المؤتمر صيغة للسيادة الفلسطينية الاسرائيلية المشتركة او للسيادة الفلسطينية على ضواح من الشطر الشرقي من القدس. في المؤتمر يبدو, وفقا لما ورد في تقارير صحفية, ان عرفات قبل بالسيادة الاسرائىلية على احياء في الشطر الشرقي من القدس, منها الحي اليهودي ومنطقة حائط المبكى, وان باراك قبل بالسيادة الفلسطينية على احياء في شطرها الشرقي, وان الخلاف بين الطرفين كان هو هوية صاحب السيادة على البلدة القديمة التي يقع فيها الحرم الشريف. موقف باراك هذا يعني حدوث تآكل في الموقف الاسرائيلي حيال القدس او يعني ان اسرائيل في تصريحاتها المتعلقة بالمدينة المقدسة لم تكن جادة وان تصريحاتها كانت بمثابة ذر الرماد في العيون. ان القدس, وخصوصا البلدة القديمة, هي الموضوع الديني والوجداني الاهم بالنسبة الى المسلمين. والحقيقة هي انه لن تحقق التسوية ما دام الفلسطينيون لم يحصلوا على السيادة على الشطر الشرقي من القدس. ودون تحقيق التسوية فيما يتعلق بالقدس لن ينهى الصراع الاسرائيلي العربي الاسلامي ولن يرفع التهديد الامني عن كيان اسرائىل. ومهما كان موقف باراك حيال مسألة السيادة على القدس مرفوضا من جانب المفاوض الفلسطيني فإنه ـ اي ذلك الموقف ـ يعني اعترافا اسرائيليا بأن السيادة على القدس ليست مقصورة على اسرائىل وبأن للفلسطينيين حقا في السيادة على ضواح من هذه المدينة المقدسة. وبعد فض المؤتمر يبدو ان الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي سيعاودان الاتصالات والمفاوضات بينهما حول طرق التوصل الى الاتفاق الذي لم يستطيعا التوصل اليه في كامب ديفيد. وفي المفاوضات المقبلة ـ ان اجريت ـ يجب ان يصر الفلسطينيون على البناء على قبول الطرف الاسرائيلي في مؤتمر كامب ديفيد بجعل السيادة على القدس موضوعا مطروحا على طاولة المفاوضات وعلى قبوله بالسيادة الفلسطينية على احياء القدس. ومن الاكيد ان المفاوض الفلسطيني سيعمل في المفاوضات المقبلة من اجل زيادة وتعزيز الاعتراف الاسرائيلي بالحقوق السيادية الفلسطينية في القدس. ومما ينبغي ان يعزز موقف المفاوض الفلسطيني, ومما يعزز هذا الموقف, ان القدس ليست ارضا فلسطينية فحسب ولكنها ارض بالغة القداسة بالنسبة الى الامتين العربية والاسلامية وان المفاوض الفلسطيني ـ في واقع الامر ـ لا يفاوض باسم الشعب الفلسطيني فحسب ولكنه يفاوض باسم كل العرب والمسلمين باعتبار القدس امانة في عنقه. وبالتالي تقع عليه مسئولية ادراكه لاولية ووجاهة القضية التي يناقش الطرف الاسرائىلي بشأنها وادراكه لتاريخية الظرف الذي تجري المفاوضات فيه. ومما له صلة بالموضوع البيان الذي ادلى به ياسر عرفات بأن الزعيم العربي الذي يتخلى عن القدس لم يولد بعد. وفي الحقيقة فإن الرئيس عرفات كان يفاوض بشأن القدس وعيناه مصوبتان على العالمين العربي والاسلامي. ويجب ان يصر المفاوض الفلسطيني على احترام ومراعاة موقفه. ومما يبين وجاهة القول بوجوب الاصرار على مراعاة الموقف الفلسطيني هو الرأي السائد لدى كثيرين من الباحثين والكاتبين في الاستراتيجية الامنية ومن الرسميين الاسرائيليين في انه لن تحقق اسرائىل امنها على المدى الطويل دون التوصل الى تسوية سلمية مع الفلسطينيين. هذه الورقة الاستراتيجية يجدر بالمفاوض الفلسطيني ان يحسن استعمالها. ان عدم توصل الطرفين الى اتفاق في المؤتمر بسبب صخرة الخلاف حول السيادة على مدينة القدس الشريف لابد من انه ارسل رسالة قوية لا لبس فيها الى الاسرائيليين مفادها ان تفرد القدس بتاريخها وقداستها ومنزلتها في قلوب العرب والمسلمين والمسيحيين تجعل الموقف الفلسطيني ـ والموقف العربي والاسلامي عموما ـ جادا حازما حيال مسألة السيادة على المدينة, وان الفلسطينيين والعرب والمسلمين جادون في تأكيدهم على ان يكون الشطر الشرقي من القدس عاصمة لدولة فلسطين العتيدة. وهذه الرسالة لم ترسل الى اسرائيل فحسب ولكن الى الولايات المتحدة والغرب عموما ايضا على الرغم من الضغط الامريكي القوي ـ في موسم انتخابات الرئاسة الامريكية ـ على عرفات لتغيير موقفه. ولابد من ان المسئولين الامريكيين ادركوا ذلك الموقف الفلسطيني. ودعما للموقف الفلسطيني المنادي بالسيادة الفلسطينية على القدس وحفاظا على عروبة القدس يجدر بالدول العربية والدول الاسلامية ان تعقد مؤتمري قمة فورا تعرب فيهما على تأييدها القطعي الجاد الملتزم للموقف الفلسطيني حيال السيادة على القدس. لقد آن الاوان لان يتحرك العرب والمسلمون مؤازرة للموقف الفلسطيني وتعزيزا لمنزلة القدس العربية والاسلامية والمسيحية.