كنت مستعدا للكتابة, واتخذت طريقي إلى غرفة المكتب في منزلي الذي ضاق بكتبي, آملاً أن أفرغ من المقالة التي كان لابد من تسليمها في صباح اليوم التالي. وفي طريقي إلى المكتب, مررت بحجرة المعيشة التي كانت تجلس فيها ابنتي تشاهد التلفزيون, وقبل أن أتطلع إلى شاشة التلفزيون, سمعت صوت عبدالحليم حافظ يدندن بأغنيته الشهيرة (بتلوموني ليه...) . توقفت قدماي رغم ارادتي, وتسمرت في مكاني دون أن أشعر, ولم تفارق عيناي الشاشة التي كانت تعرض فيلم (حكاية حب) . وشيئا فشيئا, نسيت الذهاب إلى المكتب, بل نسيت المقال, ووجدت نفسي معلقا بالفيلم الذي جذبني إليه مع انني شاهدته مرات, ولم أفارق مكاني إلا لأجلس على أقرب كرسي صادفته. ولم أنطق بحرف, ولم تقل ابنتي حرفا, فقد استغرق كلانا في عالم عبدالحليم حافظ الذي جذبنا إليه, ليجد فيه كل منا ما يرغبه ويشتهيه. أما أنا فقد أعادني عبدالحليم إلى ذكريات شبابي الباكر في الخمسينيات, حين كان عبدالحليم حافظ نجما واعدا, يقترب من وجداننا إلى أبعد حد. فكان نموذجنا الذي نشعر ازاءه بالقرب, خصوصا إذا قارنا بينه وعبدالوهاب أو فريد الأطرش, وكلاهما كان أقرب إلى الجيل أو الأجيال السابقة علينا. عبدالحليم وحده رأينا فيه صورتنا كأننا نتطلع في مرآة, شاب نحيف نحيل, مرهف المشاعر, رقيق الأحاسيس, معتز بفنه اعتزازه بكرامته, يتمتع بضحكة صافية تعكس سماحة طبعه وصفاء روحه, ينتسب إلى الشرائح الفقيرة من الطبقة الوسطى, ويسعى إلى أن يؤسس لنفسه مكانة يفرض بها حضوره الابداعي على مجتمع لا يأبه به في البداية, ولكنه سرعان ما يلتفت إلى موهبته نتيجة الاصرار والصبر والإيمان بالابداع الجديد الذي يستنزل المستحيل. وكالعادة, في كل أفلام عبدالحليم حافظ التي حفظناها عن ظهر قلب, أو حتى قلب ظهر, كان البطل النحيف مثلنا يحب فتاة جميلة كنا نرى فيها فتاة أحلامنا البريئة. وكانت هذه الفتاة فقيرة مثله أحيانا, أو تنتسب إلى أسرة ثرية, لكن الفن الذي هو فوق الطبقات يجاوز الطبقات, ويقارب بين ابن الطبقة الوسطى الفقيرة, مثلنا, وابنة الطبقات الثرية مثل كل بطلات عبدالحليم اللائي أحببنا فيهن مثال الحبيبة التي كنا نبحث عنها. وكم بحثنا عن هذه الحبيبة في أوجه بنات الجيران اللائي لم تكن بينهن من تماثل إيمان أو فاتن حمامة أو لبنى عبدالعزيز أو صباح أو مريم فخر الدين أو ماجدة, أو حتى ميرفت أمين في فترة لاحقة. كان وجه كل واحدة من هؤلاء في اقترانه بعبدالحليم لا نظير له بين بنات الجيران اللائي سرعان ما انصرفنا عنهن إلى بنات المدارس المحيطة بمدرستنا الثانوية, وكن يختلسن النظر إلينا ونحن في الطريق إلى المدرسة في الصباح لعلهن يجدن في واحد منا شبيها بعبدالحليم الذي فتنهن مثلما فتننا. وكنا نحن بدورنا, نبحث فيهن عن شبيهات بطلات أفلام عبدالحليم, فإذا لم نجد شبها واضحا اختلقنا الشبه واستبدلنا بالصور الواقعية التي نراها صورا من صنع خيال. ولعل هذا هو السر في فشل كل قصص حبنا الأولى ونحن في المدرسة الثانوية, فقد كنا نعشق صور الخيال لا صور الواقع, ونحب المثال الذي صاغه لنا الوهم, ونحن نتابع بأعيينا المبهورة حبيبات عبدالحليم على الشاشة الفضية التي كانت تنطلق بخيالاتنا الغضة إلى الذرى, ولم نحب, قط, الفتيات المتعينات اللائي كن من لحم ودم واللائي سرعان ما كن يتحدثن عن مشكلات الواقع التي تتحطم على صخرتها كل أحلامنا, فتذبل براعم حبنا تحت شمس الواقع الذي بدا مترصدا بتوقنا إلى الحب الجميل والحبيبة التي لا تنتسب إلى هذا العالم الأرضي الفاسد. ولم يكن فساد العالم الذي كرهناه لانه نقيض براءتنا يفعل شيئا سوى أن يعيدنا إلى عبدالحليم, ابتداء من لحظات الحب المنكسرة, وانتهاء بقسوة القدر الذي يسلب المحبين أيامهم الحلوة التي كانت (أيامنا الحلوة) . أذكر انني ذرفت الدمع على موت فاتن حمامة في هذا الفيلم, وخرجت من السينما في مدينة المحلة الكبرى التي نشأت فيها وأنا أكره القدر الذي سلب عبدالحليم حبيبته التي ضاعت منه ومني. هذه الدموع نفسها عاودتني عندما أعلن الطبيب القاسي (محمود المليجي) أن المطرب الشاب أحمد سامي (عبدالحليم حافظ) مريض بالقلب ولن يعيش أكثر من عام. وازاء هذه الكارثة, تمسكت الحبيبة (مريم فخر الدين) بحبيبها الذي قررت أن تمنحه أجمل سنوات عمره. ولكن القدر كان رحيما بالمحبين هذه المرة. فيذهب الحبيب إلى الخارج ويعالج ليعود إلى حبيبته المخلصة, وينتهي الفيلم لنخرج إلى الطرقات والسعادة تملأ جوانحنا, والعالم وردي بأحلامنا, ونحن ندندن أغاني الفيلم الذي فتننا. وقد بلغ بنا التقمص الوجداني لشخص عبدالحليم مبلغه, فقد أصبحنا نخوض معه كل تجربة حب, ونخوض معه كل تجربة فشل للحب, وما أكثر ما احتضنا (الوسادة الخالية) في نومنا, ولعنا خيانة الحبيبة التي تركت (صلاح) التلميذ مثلنا لتتزوج من طبيب, فيقرر صلاح الذي أصبح صورة لنا أن يذاكر ويتفوق وينجح في الحياة ليصبح أنجح من هذا الطبيب. وكم كنت أتصور نفسي مثل (صلاح) في (الوسادة الخالية) . لكن بلا (سميحة) , فقد كانت (سميحة) بنت الجيران أقبح من أن أتعلق بها لحسن الحظ, فتعلقت بفكرة النجاح والتفوق, وظللت أذاكر وأنجح إلى أن أدمنت كوني الأول على أبناء فصلي الدراسي ثم الجامعي. لا أعرف هل كنت قد تخرجت من الجامعة حين شاهدت فيلم (الخطايا) أم لا. كل ما أذكره انني شاهدت هذا الفيلم في كلية الهندسة بجامعة القاهرة. لماذا؟ لا أعرف. ربما كان السبب ان الفيلم صورت مشاهده في هذه الكلية, وان اتحاد الطلبة كنوع من المباهاة بالكلية التي تم تصوير الفيلم بها قد قرر عرضه للطلاب, فذهبت مع زميل لي من كلية الهندسة, وشاهدت عبدالحليم الذي حفر لنفسه مكانة لا تمحى في وجداني, وكان في الفيلم, كلما كان في أغلب أفلامه أو كلها, الشاب المظلوم الذي يدفعه شعوره الخفي بالظلم إلى الوعي بالمسئولية, ومن ثم التفوق في العلم والنجاح الذي تقمصناه نحن الطلاب الذين شاهدنا الفيلم في أحد مدرجات كلية الهندسة, وظللنا جميعا نغني مع البطل كما لو كنا نغني مشاعرنا: (الناجح يرفع ايده) . أذكر ان مستقبلي لم يتحدد تماما في هذه السنوات, وان حلم النجاح والتفوق لكي أكون معيدا في كلية الآداب لم يكن يفارقني. ولذلك كنت أغني: (الناجح يرفع ايده) وأنا أتخيل نفسي الأول على كل أقسام اللغة العربية في الجامعات المصرية, كما أتخيل نفسي تلميذا لطه حسين وجالسا على كرسيه في قسم اللغة العربية. لم يكن مهما أن أحب فتاة في جمال نادية لطفي, أو على الأقل كنت أهمس بذلك لنفسي تبريرا لخيبتي مع البنات التي كان سببها خجلي الشديد, وخوفي من خوض تجارب تبعدني عن هدف التفوق. وكنت أحلم أن تلحظني ذات يوم فتاة في جمال مريم فخر الدين أو فاتن حمامة أو حتى نادية لطفي, وتأخذ بيدي, مؤمنة بعبقريتي طبعا, ونمضي معا إلى طريق النجاح, ونغني لأنفسنا في النهاية: (الناجح يرفع ايده) . لكن لم يتحقق من ذلك الحلم البعيد إلا نصفه. نجحت وتفوقت, وكنت الأول, وأصبحت معيدا في قسم اللغة العربية الذي ترقيت فيه وترقيت إلى أن أصبحت رئيسه لسنوات عديدة, فجلست على كرسي طه حسين, لكن لا أزال, إلى اليوم, أبحث عن وجه أشبه بوجه مريم فخر الدين الخمسينيات, أو أشبه بوجه لبنى عبدالعزيز منذ أكثر من ثلاثين عاما, ولا أزال, إلى اليوم, أبحث عن الحبيبة المثالية التي تخيلتها فحسب, وحلمت بها نموذجا للطهر والبراءة, في مطلع الصبا, وإلى الآن لم أجد هذه الحبيبة التي ظلت ذكرى جميلة تزودني بالرغبة والقدرة على مواصلة الحلم. لذلك تركت لنفسي العنان, ونسيت المقالة التي أكتبها, وجلست مشدودا إلى شاشة التلفزيون, وانطلقت معها إلى عبدالحليم حافظ, زمن الحلم والرغبة والتوهج والخيال والأمل, وحلقت مع أحداث الفيلم, وصادقت عبدالسلام النابلسي صديق عبدالحليم في الفيلم, ورأيت المرحومة أمي في حركات الممثلة العظيمة فردوس محمد ودعواتها التي ذكرتني بدعوات أمي وهي تضمني داعية لي بالنجاح والفلاح وتحقيق الآمال. وتمنيت لو تستمر أحداث الفيلم إلى ما لا نهاية, وأعيش مرة أخرى لوقت أطول وأطول, في زمن عبدالحليم, لكن الفيلم وصل إلى نهايته للأسف, فانتبهت إلى نفسي وأدركت ما أدركته وأنا أقرأ مطلع قصيدة (العام السادس عشر) للشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي, وهو المقطع الذي يقول: أصدقائي! نحن قد نغفو قليلا, بينما الساعة في الميدان تمضي ثم نصحو.. فإذا الركب يمر وإذا نحن تغيرنا كثيرا, وتركنا عامنا السادس عشر.