هل بوسع العرب استثمار التناقض المتفاعل والمتصاعد بين الولايات المتحدة وأوروبا من منظور منطق المصالح؟ لكن السؤال يسبقه سؤال: الى أي مدى وصل هذا التناقض؟ مع الأخذ في الاعتبار ان خصومة كهذه داخل الاسرة الرأسمالية الصناعية الموحدة يجب ان تبقى طي الكتمان قدر الامكان, فان مما يمكن ان يستدل به على مدى اتساع الهوة بين امريكا وشقيقاتها في الاتحاد الاوروبي ان قادة اوروبيين بارزين بدأوا يجأرون بالشكوى ويبثون التبرم علنا. ولننظر فيما قاله وزير خارجية فرنسا هوبير فدرين قبل بضعة ايام. كان محور أقوال فدرين (الاحادية القطبية الجديدة) وانتقاد هذه الظاهرة, لا بمرارة, وانما بقدر من الصراحة التي تعكس غضبا مكتوما. وهي صراحة يمكن ان توصف دون مبالغة بأنها جارحة لواشنطن اذا اخذنا في الاعتبار طبيعة المناسبة التي كان يتحدث فيها وزير الخارجية الفرنسي. فقد كان فدرين يخاطب رسميا مجموعة سفراء فرنسا في انحاء العالم.. وبالتالي فان اقواله يمكن ان تعتبر خطوطا استرشادية عامة للمنحى المستقبلي للدبلوماسية الفرنسية. اتخذ فدرين من معركة الانتخابات الرئاسية الامريكية مناسبة ليعلن في لهجة انتقادية ان الحزبين الامريكيين المتنافسين (متفقان على ان تظل الولايات المتحدة قائدة العالم) وان الخلافات بين الحزبين (تقتصر على الأسلوب والتكتيكات) . من هذا التلميح انتقل فدرين الى التصريح حيث قال: (من اجل مكافحة هذا الاتجاه يجب على فرنسا ان تقف بحسم امام واشنطن في قضايا معينة) . قد يبدو مثل هذا القول الصريح وكأنه نغمة اوروبية جديدة تسمع للمرة الاولى. لكن الواقع ليس كذلك. فهناك تناقضات بين اوروبا وامريكا حول قضايا معينة ظلت تتفاعل لمدى سنين على مستوى العلانية. من ذلك مثلا النظرة الى كل من العراق وايران. ففيما يختص بالعراق تتقدم فرنسا دول اوروبا الغربية في تحد للولايات المتحدة بالمطالبة برفع الحصار عن العراق, وفيما يختص بايران تجد واشنطن نفسها معزولة ازاء تدافع اوروبي لتقوية علاقات دول اوروبا الاقتصادية والتجارية مع طهران بغض النظر عن الحسابات السياسية الامريكية. وعلى صعيد التجارة الدولية يتصاعد تصادم بين دول الاتحاد الاوروبي وامريكا الى ما يشبه حربا تجارية سافرة في مجال صادرات المنتجات الزراعية والحيوانية حيث تتبادل المنطقتان حظر بعض هذه السلع. ونعود الى السؤال الأصلي: هل يستطيع العرب استثمار هذا التناقض المتفاعل لصالحهم؟ الاجابة الفورية هي: لا. وهذا ليس لان هذا التناقض غير قابل للاستثمار ولكن لان العرب لا يملكون راهنا شروط استثماره. فهو دور يبحث عن صاحب. والشرط الأول هو توافر قدرة جسورة على استقلالية الحركة في مجال العلاقات الدولية.. مما لا يتوفر للعرب في الظرف الحاضر. وفي هذا السياق فان ابلغ وأبرز مثال هو (عملية سلام الشرق الاوسط) . ان اوروبا الغربية ترى بحكم القرب الجغرافي مع العالم العربي والارث الثقافي المشترك الضارب في جذور التاريخ, أنها في وضع أفضل لتحقيق معادلة سلام عادلة بين العرب واسرائيل قائمة على عدم التفريط في حقوق الشعب الفلسطيني. لكن المراهنة العربية الكاملة على الولايات المتحدة في هذا الصدد ومجاراة العرب, بما في ذلك القيادة الفلسطينية نفسها, للرفض الامريكي المتصلب لأي دور اوروبي, يمنع الاتحاد الاوروبي من الدخول كطرف متعاطف مع الطرف الفلسطيني. ولو اتخذ العرب موقفا داعما لفرنسا في تحديها للولايات المتحدة بشأن العراق على صعيد مجلس الامن الدولي, لما بقي الشعب العراقي تحت حصار قاتل لمدى عشر سنوات. مع ذلك تظل الفرصة متاحة امام الأمة العربية مستقبلا.. فالتناقض الاوروبي الامريكي مرشح للمزيد من التصاعد. ولكن ربما علينا الانتظار لأمد غير معروف الى ان تهب رياح تغيير على العالم العربي.