منذ اكثر من ثلاثين عاما بقليل لم تكن الامارات العربية المتحدة كما هي الآن, ذلك امر متوقع فسنة الحياة والتطور تفرض التغيير, ولكن التغيير الذي تم منذ تلك الفترة في هذه الدولة الفتية هو تغيير لم يكن يأمل فيه احد او يتوقعه, سواء من حيث سرعته, وطريقته, وانجازاته. وإذا كان ثمة رجل واحد تنحصر فيه ارادة التغيير ومتابعة خطواته دون كلل, فذلك هو صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة. في ذلك الوقت, اي قبل نيف وثلاثين عاما, كانت الظروف مختلفة والمشهد السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي في المنطقة ككل, كان مشهدا معقدا, بل بالغ التعقيد. فثمة تغيرات تحصل على كل الصعد خاصة السياسية في دول الجوار, وكان بعض هذا التغيير عنيفا وحادا, بل ومدمرا, حتى ان بعض هذه الدول والمجتمعات لم تسلم من آثار هذا العنف حتى يومنا هذا. لقد كان يعتقد ان هناك تماثلا بين (امارات الخليج العربي) و(امارات وسلطنات الجنوب العربي) من حيث التركيب السياسي, والعلاقة مع بريطانيا, كما كان ثمة دول في الجوار لها مطامع غير محدودة في الهيمنة المباشرة او غير المباشرة على المنطقة, ومن هنا اعتقد الكثيرون ان هذا التماثل, وتلك الاطماع, يمكن ان تنسحب على ذلك الوليد السياسي (دولة الامارات العربية المتحدة). وكانت الامارات في كيانها الجديد, تفتقر الى كل شيء تقريبا من مقومات الدولة الحديثة, سواء في مجال العناية الصحية او المدارس او الجيش المنظم, كما كانت تفتقر الى الكثير من المرافق والمؤسسات التي تكفل للمجتمع احتياجاته المختلفة وتضمن للمواطن سبل المعيشة في عصر كانت التكنولوجيا فيه قد اخذت طريقها في الهيمنة على ملامح الحياة. كانت الامارات تفتقر الى هذا كله, لكنها لم تكن تفتقد عزيمة الرجال. في هذا الجو الملبد بالغيوم السياسية الكثيفة تسلم الشيخ زايد بن سلطان سدة المسئولية في ابوظبي, ثم نصب رئيسا لدولة الامارات, التي كان كثيرون يراهنون على تفرق الدروب بين حكامها لتسهيل مهمة التشرذم او الصراع وتمكين الاطماع من انشاب اظفارها في جسد الدولة. منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم ظلت دولة الامارات الوليدة تنعم في سلام لم تعرفه في تاريخ المنطقة لفترة طويلة, وكان هذا السلام, ومن ثم الامن والتقدم الاقتصادي والاجتماعي يقوده رجل لم يتسن له الكثير من ممارسة السياسة بمعناها السلبي من المناورة الى التسويف الى القول في العلن ما يخالف الممارسات التي تدور في الخفاء. ولكن تسنت له الفراسة والوعي بأهمية تلازم التقدم في الامارات مع خطى صحيحة وجدية نحو التغيير, وهنا يحسب حساب دور الافراد في التاريخ, فبعضهم يدخله من بوابة كبيرة, هي الاصلاح والتنمية والتقدم, وبعضهم يدخله ليخرج من دون ان يترك الا الحسرة. منذ نيف وثلاثين عاما عندما قمت بالزيارة الاولى الى امارات ساحل الخليج (كما كانت تسمى) لم تكن الطرق قد عبدت وامتدت, ولا المدارس قد شيدت ولا الجامعات قد فتحت, فكان الطريق من دبي الى رأس الخيمة طريقا شاقا وطويلا يمر بمحاذاة شاطىء البحر, وكان يتعذر على السابلة الوصول الى رأس الخيمة الا في حالة الجزر. اما الطريق الى خورفكان والمنطقة الشرقية, فأنت تمر بوديان جافة, وقمم تلال عالية في طريق مترب غير معبد, وكانت الرحلة تستغرق من الوقت سحابة نهار كامل حتى تصل الى بغيتك. اما اليوم وبعد هذا التغيير الكبير الذي حدث, فأنت تستطيع ان تطوف بكل الامارات في بضع ساعات على طرق مهيأة ومريحة تضاهي مثيلاتها في دول العالم المتقدم. لم يكن الانجاز الذي تفخر به الشعوب هو مجرد انشاء البنية التحتية, فذلك مقدور عليه اذا توافرت السيولة المالية الملازمة للقيام به ولكن الانجاز الجوهري هو ذلك الذي يتحقق في البشر انفسهم, وهو الذي قدر للامارات في الثلاثين عاما الماضية ان تنجزه وان تجعل منه استثمارها الحقيقي. فالعنصر البشري هو العمود الفقري لأي تطور الى الافضل, ولقد طاف ابناء الامارات بالعديد من المدن والدول من اجل ان يحصلوا على العلم, قبل ان تهيأ لهم سبله في بلادهم. وليس معنى هذا ان الامارات كانت قبل نهضتها خلوا من المرافق التعليمية, بل لقد كانت هناك بنية تحتية مبكرة في التعليم بدأت منذ بداية القرن الماضي تقريبا, ولكنها كانت ضعيفة ومحدودة. ولقد ارتكزت الدولة على هذه البنية في تشييد بناء حضاري ضخم يضطلع بتدريب البشر وتعليمهم, فأقيمت بالبلاد كثير من الجامعات الحديثة الرسمية والخاصة, واصبح الآن جيل جديد من ابناء وبنات الامارات العربية المتحدة ومن كل ارجائها قادرين على متابعة دراستهم في شتى مناحي العلوم والآداب, حتى اصبح الذين يتخرجون في الجامعة كل عام يتزايد عددهم بصورة مطردة, ينخرطون في المجتمع الاماراتي مفعمين بالعلم والحماس للاسهام في بناء صرح دولتهم بإرادة قوية ومعرفة عميقة. فدولة الامارات وهي تسعى الى سد احتياجاتها البشرية في كل مؤسساتها وقطاعات العمل بها لجأت الى هذا السيل المتدفق من ابنائها الخريجين بعد ان نهلوا من معاهدها العلمية زاد المعرفة والثقافة, فهاهم الآن ينضوون في جيشها الفتي وقوات امنها التي تنتهج احدث الاساليب العلمية والفنية, لضمان وصيانة امن البلاد الى جانب ان كل مجالات العمل هناك اصبحت تحفل بالكثير من ابناء الوطن من الشباب الممتلئين علما وحماسا. للمشاركة في بناء وطنهم. ولعل هذه الروح الشابة المتوثبة هي التي سرت في عروق الدولة فأصبحت اليوم مصدر الكثير من المبادرات الملحوظة ليس من جيرانها فقط, ولكن من دول عدة خارج نطاقها الجغرافي. هذه المبادرات تتجسد في الاعتماد على التقنية والحكومة الالكترونية, كما في تجارب الزراعة الحرشية والحديثة. ومن تسنت له زيارة جزيرة بني ياس ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ والتعرف على الجهد المبذول فيها من تجارب علمية دءوب يمكن ان تعمم في انحاء دولة الامارات, من يطلع على ذلك فإنه سيتأكد من مستوى هذا الجهد ودرجته العالية من الاتقان والمثابرة. ولعل المثال الواضح في هذا الامر هو انتاج التمور, حيث فاق عدد اشجار النخيل في الامارات اليوم عدد نخيل البصرة في عز ايامها. وتأتي المفارقة المرة واضحة للعيان لا تحتاج الى شهود, بين القيادة التاريخية للشيخ زايد بن سلطان, الذي سعى بدولته قدما على طريق النماء والتطور, وبين قيادات اخرى هيأت لها الظروف فرص التنمية الكاملة لشعوبها, ولكنها التهت بالحروب وانتهت بالتخريب. لقد كان الجهد التنموي الذي اخذت الامارات على عاتقها ان تقوم به على المستوى العربي معروفا في المجالين السياسي والتنموي, فقد قدمت الامارات بجهد مشكور من الشيخ زايد الكثير من المساعدات الاقتصادية سواء من خلال المؤسسات الرسمية او من خلال الافراد والمؤسسات الخاصة بهدف المساهمة في التنمية العربية, وهي مساهمات منها ما هو ظاهر للجميع, ومنها ما هو باطن يعرفه الخاصة, ولكنه في كل الاحوال يصب في العمل التنموي العربي. التغيير الذي تم في المجتمع والتركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدولة الامارات هو تغيير الى الافضل, يعتمد على قاعدة ان الاستثمار في البشر هو افضل الاستثمارات واكثرها استدامة, فمن خلال تهيئة البشر تهيئة صحيحة, يمكن ان يحقق الجيل المقبل تنمية مستديمة ونافعة تستمر لأجيال, قاعدتها هي ان ما ينفع الناس, كل الناس, هو الابقى, وما تنتفع به القلة وتحرم منه الكثرة يذهب هباء منثورا. ولعل ما يلفت النظر في التنمية البشرية ما تضيفه الامارات من جهد ملحوظ لمصلحة الثقافة العربية. فبجانب ندوة الثقافة والعلوم في دبي, تشع من ابوظبي منارتان ثقافيتان, هما مركز الامارات للدراسات الاستراتيجية, والمجمع الثقافي, الذي كان من اوائل من وظفوا التقنية الحديثة في الثقافة العربية. في الوقت الذي يتطلع فيه ابناء الامارات, ومعهم اخوانهم العرب, الى شفاء كامل وعاجل للشيخ زايد بن سلطان بعد مرضه الاخير, ويستبشرون خيرا بالأخبار الايجابية التي مدت الشيخ زايد بعناية الله له, يستذكرون في الوقت نفسه الجهد الصائب الذي بذله دائما, والعمل الطويل الذي نذر نفسه له, فكان من بين انجازاته الكبيرة هذا التطوير الذي حققه لدولة وقفت امام انشائها في البداية, كما وقفت امام طموحها صعوبات جمة. وكذلك من اهم انجازاته انشاء جيل من الرجال والنساء آمنوا بهذه الدولة ورعوها ولا يزالون يعملون على رعايتها ورفعتها, في خضم تغييرات اقليمية ودولية كبيرة, وهؤلاء جميعا لا يزالون يستذكرون دائما جهد الرجل وعطاءه, بجانب تواضعه وايمانه بالله الذي هيأ له هذه الفرصة التاريخية التي لا يعرف كيف يغتنمها الا الرجال التاريخيون.