لا يختلف المراقبون على ارهاصات انفراجة ديمقراطية وشيكة فى اليمن تعيد للساحة السياسية سابق حيويتها وزخمها, عبر نجاح الحزب الاشتراكى فى لملمة شتاته وتجاوز انقساماته, ومراجعة خطابه السياسى, عبر الدورة الثانية لمؤتمره الرابع التى بدأت اجتماعاتها الأسبوع الماضى فى صنعاء, وتأتى هذه الخطوة التى تعثرت مرارا وتأخرت شرطا لعضوية الحزب فى منظومة الاشتراكية الدولية ست سنوات, وتأكيدا على مصداقية التعددية السياسية ومبدأ التداول السلمى للسلطة, كون الحزب يمثل رقما سياسيا وشعبيا يستحيل الغاؤه أو اغفاله, ولعله مما يدعو الى التفاؤل مواكبة الحدث لعدد من التحولات الايجابية التى شهدتها اليمن فى الآونة الآخيرة, وفى مقدمتها الموقف المبدئي الجسور الذى تحشد له المثقفون ومنظمات المجتمع المدنى فى مواجهة قوى الرجعية الظلاميه التى حاولت التستر وراء قناع الدين لاجهاض مسيرة التحديث والاستنارة, واغلاق منابر الثقافة والابداع, والى حد التهديد بسلاح التكفير فى مواجهة سمير اليوسفى رئيس تحرير صحيفة الثقافى وكل الذين تضامنوا معه لمجرد نشره رواية (صنعاء مدينة مفتوحة) للأديب الراحل محمد عبدالمولى, رغم صدورها منذ 30 عاما واعادة طبعها وترجمتها الى عدد من اللغات الأجنبية عدة مرات, وفى سياق التحولات السياسية الايجابية, يأتى خطاب الرئيس على عبدالله صالح فى الذكرى العاشرة للوحدة اليمنية, عبر اشارته الى ارتفاع حجم الاحتياطى من النفط فى اليمن الى 7.5 مليارات برميل, وكذا الغاز الى نحو 15 ترليون قدم مكعب, اضافة الى الوفاء بإنجاز 6279 مشروعا, مؤكدا على أن العائد المادى من شأنه رفع مستوى المعيشة وخلق فرص جديدة للعمل, والتخفيف من حدة البطالة التى ابتلى بها اليمن اثر عودة أكثر من مليون مواطن يمنى فى اعقاب اندلاع أزمة الخليج عام ,1990 ايذانا بالاستقرار السياسى والاجتماعى والأمنى المنشود! على أن أبرز شواهد التحولات السياسية فى خطاب الرئيس تمثل فى موقفه الجديد من اليمنيين الذين لجأوا الى الخارج أثر الحرب الانفصالية التى شهدها اليمن صيف ,1994 ودعوته المفتوحة لهم بالعودة الى الوطن مع تأمين كافة حقوقهم ووجباتهم التى كفلها الدستور والقانون, ورغم ان الرئيس لم يحسم الأمر بشأن قائمة قيادات الحزب الاشتراكى الذين تمت محاكمتهم غيابيا بتهمة الضلوع فى المؤامرة الانفصالية وعددهم ,16 بينهم أربعة محكوم عليهم بالاعدام, الا ان مفهوم تجاوز ذكرهم يعنى أن باب العفو والعودة لم يغلق بعد, وان كان فى حاجة الى مبادرة من جانبهم لممارسة النقد الذاتى حتى يظل مفتوحا على مصراعيه, ومن هنا كان رد الفعل ايجابيا فى المقابل, حيث أعلنت الجبهة الوطنية للمعارضة (موج) التى تتخذ من لندن مقرا لها, تجميد نشاطها الإعلامى المعارض للنظام اليمنى, كمبادرة لتأكيد حسن النية, وإسهاما فى تهيئة أجواء الحوار والتعاون والوحدة الوطنية. بعدها كانت المفاجأة السعيدة عبر توقيع الملك فهد بن عبدالعزيز والرئيس على عبدالله صالح على اتفاق جدة لترسيم الحدود اليمنية السعودية المشتركة, إيذانا بإسدال الستار على نزاع عقيم ظل يراوح مكانه 66 عاما منذ نهاية الحرب التى نشبت بين البلدين عام ,1934 وفتح كافة المنافذ المغلقة أمام الشراكة المصيرية بين صنعاء والرياض, وعودة العمالة اليمنية الى السعودية, والتخفف تباعا من وطأة استنفار القوات المسلحة وكلفتها المالية, وقطع الطريق على المؤامرات المشبوهة للوقيعة بين البلدين. من هنا تبدو الشواهد وكأن نجاح الحزب الاشتراكى فى عقد مؤتمره الرابع على صعيد استعادة عافيته السياسية والتنظيمية, تأكيدا لارهاصات الانفراجة الديمقراطية وترسيخ دعائم الاستقرار والأمن والتنمية, الأمر الذى دعا الرئيس علي عبدالله صالح الى توفير الامكانات المطلوبة حتى يحقق أهدافه المنشودة, وبينها فتح قاعة الكلية الحربية في صنعاء لاستقبال زهاء 2500 مشارك ومراقب لأعمال المؤتمر, ورصد 35 مليون ريال لتمويل كلفه انعقاده, وبث مداولاته مباشرة عبر موجات الاذاعة ومحطات التليفزيون, ورفع الرقابة على النقد والهجوم المرير لممارسات السلطة الحاكمة, وتكليف عبدالملك منصور وزير الثقافة بالقاء خطاب حزب المؤتمر فى الجلسة الافتتاحية للمؤتمر, وهو كان ايضا موقف مختلف أحزاب المعارضة. وكما كان متوقعا سلفا, راح علي صالح مقبل (عياد) الأمين المؤقت للحزب الاشتراكى يستعرض فى خطابه الأهداف المتوخاه من عقد المؤتمر, على النحو الذى أكده فى صراحة ووضوح على ضرورات اعادة النظر فى المفاهيم البالية التى أساءت الى الحزب واحلال مفاهيم ديموقراطية جديدة تواكب المتغيرات الوطنية والاقليمية والدولية, فى اشارة ضمنية الى المستجدات الطارئة على الفكر الاشتراكى فى أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتى وتفكيك المنظومة الاشتراكية, والاخطاء التى ارتكبتها بعض قيادات الحزب بانحيازها الى المؤامرة الانفصالية, لكنه وجه معظم خطابه للهجوم على النظام, واتهامه بالتضييق على حريات الحزب ومصادرة ممتلكاته ومقراته, والمطالبة بعودة المبعدين من كوادره والغاء كافة الاجراءات الاستثنائية والأثار السلبية التى تخلفت عن حرب عام ,1994 مشيرا الى ضرورة خلق الأرضية المشتركة الملائمة للحوار الوطنى, كشرط لنجاح التوجه نحو اصلاح مسار الوحدة وبناء الدولة الحديثة وانجاز مهام التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية! والشاهد أن الحزب الاشتراكى حسم فى اليوم الأول للمؤتمر التزامه بخيار السلم والوحدة, حين طرد من اجتماعاته عددا من قياداته التى حاولت فرض مواقفها المتشددة المعروفة بانحيازها لانفصال الجنوب, وإثارة القوات المناطقية, ومناهضة تيار التجديد داخل الحزب, والتشبث بأمجاد الماضى التى ترددت فى جوانب المؤتمر, وكأنها تدعم وجهة نظر القيادات المطرودة, وعكست بشكل أو بآخر حالة ازدواجية المواقف على صعيد قيادة وكوادر الحزب, الا ان المراقبين أجمعوا على أنها من قبيل المماحكات السياسية المتاحة فى العملية الديمقراطية, ولا تقف حجر عثرة أمام الضرورات السياسية الرامية لانتشال الحزب الاشتراكى من وحدته, وتصحيح معادلة تقاسم أو انفراد حزبى المؤتمر والاصلاح بالسلطة, توطئة لحسم مصير التعديلات الدستورية الرامية لتوسيع دائرة المشاركة فى صنع القرار, وخوض غمار الانتخابات النيابية والرئاسية العام المقبل.. وعندها لكل حادث حديث! كاتب وصحفي مصري