في مقتبل أربعينيات القرن الماضي.. ذاع اسم (نوال) في مصر والوطن العربي تطلقه العائلات على بناتها بوصفه الاسم المودرن البالغ الشياكة.. وكان السبب هو أغنية عبدالوهاب الشهيرة التي أنشدها في فيلم (دموع الحب) وهو (قطعة عاطفية وتحفة فنية) كما جاء في أفيشات الدعاية لذلك العمل السينمائي عميق التأثير والسذاجة أيضا حين طلع به المطرب عبدالوهاب في عام 1935 على ما نذكر واختار للبطولة النسائية المطربة (نجاة علي) وكانت من ونظن أنهم اقتبسوا حكاية الفيلم من الميلودرامات الفرنسية مسرح الدم والدموع كما وصفه بحق استاذنا الراحل الدكتور علي الراعي.. وقد بلغ الأمر الى حد أن كانت سينما رويال بالقاهرة التي عرضت الفيلم كتبت في اعلاناتها تطمئن الجمهور الكريم بأنها توزع مع تذاكر الحفلات الصباحية مناديل ورقية (هي الجد الأعلى لورق الكلينكس) لزوم تجفيف السيدات والأوانس من بنات العائلات الكريمة نظرا لمشاهد الفيلم العاطفية ومواعظه البليغة.. الخ. لقد خلعوا على البطلة اسم (نوال) وعندما عمدت السيدة أو الآنسة نوال الى هجر البطل والتنكر لحبه الميلودرامي العظيم.. رتب له المخرج محمد كريم مشهدا مؤثرا يستدر الدموع من المآقي يزور فيه البيت الذي كان قد أعده أيام الهنا والرضا والوصال لعش الزوجية السعيد.. وظل البطل عبدالوهاب يخرج من غرفة ليدخل أخرى مرتديا كامل البدلة والطربوش وهو يردد أغنيته الشهيرة وقتها بعنوان: يا ما بنيت قصر الأماني وكنت أقول سعدي وأماني وهي قطعة من التفجع الغنائي الذي يصعب على الكافر كما يقولون.. وإذ تصل الى ذروة اللوعة تكاد الموسيقى تعزف مارشا حزينا فيما يكمل عبدالوهاب مخاطبة السيدة ناكرة الجميل قائلا: ـ يا نوال.. فين عيونك.. اشتكي لك همي, وسقم حالي.. * وطبعا نسى الناس اسم الأغنية الأصلي.. (قصر الأماني).. وخلعوا عليها اسم أغنية (نوال).. ثم خلعوا الاسم على وليداتهم العزيزات, تماما.. كما ذاع اسم (إنجي) بايقاعه التركي الذي لا يخطئه السمع بعد عرض فيلم (رد قلبي) الذي حاول مؤلف قصته, يوسف السباعي أن يؤرخ به لملابسات قيام ثورة 23 يوليو ..1952 ومن ثم أصبح الفيلم المذكور أعلاه مقررا على ملايين المشاهدين مع تجدد ذكرى ثورة العم عبدالناصر من عام الى عام, لا يكاد ينافسه في ذلك سوى فيلم (غروب وشروق) وقصته من تأليف اللواء جمال حماد عن حكاية الضباط الأحرار وهو شخصيا من أهل الدار بمعنى أنه كان من طلائع الضباط الأحرار, ويقال والعهدة على الراوي أن جمال حماد هو الذي صاغ بيان الثورة المذاع صباح الأربعاء 23 يوليو.. وبعد (إنجي) انتشرت عبر السينما ومنظومة الاعلام, أسماء ذات ايقاعات تركية وفارسية.. ما بين جيهان الى نسرين وما بين نيفين الى شريهان الأمر الذي دفع بحكومة شاطرة في منطقة المغرب العربي إلى أن تصدر مرسوما أطلعنا على نصه مؤخرا يقصد في رأيها الى ضبط هوجة الأسماء, وهيصة الألقاب ذات الايقاعات التركية وغيرها مما اعتبرته الحكومة الموقرة المذكورة مساسا بالطابع الاسلامي والعربي لأسماء مواطنيها من ذكور وإناث.. وبهذا تم, بحكم القانون, منع أسماء من قبيل مدحت وجودت وخورشيد ومن قبيل شريهان وجيلان وجلنار ونسرين ونيفين وصافيناز ... الخ. وفي مجال تدخل الحكومات في تسمية الناس, طالعنا قارئ في الأهرام القاهرية مؤخرا بمعلومات قال فيها ان حكومة فرنسا وهي مثل أي حكومة في الدنيا موقرة بدورها كان لديها تشريع قديم يقضي بأن يختار المواطنون أسماء مواليدهم من واقع دفتر حكومي وقائمة رسمية مودعة لدى وزارة الداخلية الفرنسية. ورغم ما قد يتراءى لك من تضييق في مثل هذه المسائل فلقد يضيق المرء أحيانا من سخافة الأسماء الى حد أن يتطلع الى هذا الضبط الحكومي في بعض الأحيان.. كيف لا.. وقد تسامعنا عن ذلك المواطن الأحمق في بلد عربي مشرقي هذه المرة أطلق يوما على نجله اسم (نتانياهو) بكل بشاعته نطقا وايقاعا و.. رائحة ودلالة.. وقد نقلوا الخبر اعلاميا منذ بضعة أشهر بعد أن بدأ صاحبنا يستجير ويتوسل لتغيير اسم النجل العزيز المغلوب في طفولته الأولى على أمره للأسف الشديد. وكان لدى حلاقنا القديم أيام الصبا الخوالي غلامان صغيران يعملان لديه في اجازة الصيف ربما وظيفة (صبي حلاق) كان أبوهما نوبيا من أهل جيرتنا الطيبين.. وربما أراد أن يتخلص من دوشة الطفلين ومشاكل شقاوتهما الشوارعية في فترة الاجازة الدراسية ومن ثم فقد دفع بهما الى الأسطى بغدادي, حلاقنا فنيا, ومستشارنا في مشاكل شتى وربما علل صاحبنا النوبي نفسه بأن فلذتي الكبد سوف يتعلمان صنعة في اليد أمانا من الدهر كما يقولون في الأمثال. والحاصل أنهما لم يتعلما شيئا.. قصارى كل منهما مثل أي مساعد حلاق في الزمانات أن ينصب طوله أو قصره على الأدق طيلة النهار وفي يده منشة ليطرد بها الذباب من على وجه الزبون مسلم أمره الى مولاه والى الأسطى بغدادي شخصيا.. أو يهز الغلام مروحة يحاول أن يجلب نسمة هواء لزوم تلطيف الأجواء إذ كان التكييف حلما وأمنيات. وكم كان نعاس السأم والملامة والتكرار يداعب جفون الصبي الواقف ثم يقهرها.. فاذا به يتلقى صفعة على خده وبعدها ينتبه ليواصل مهمته المضجرة.. بينما يردد الأسطى الكبير في اقتناع تربوي ورضى بالغ عن النفس يقول: علشان يتعلم. ولم نكن ندري ما الذي يتعلمه صبي كهذا محكوم عليه أن يمضي يومه الصيفي في دكان حلاق وهو وضع استطاع أن يصوره في أسلوب فني طريف يحيى حقي في إحدى مقالاته المبدعة. لماذا استدعى لك ذكرى هذين الصبيين؟ من أهل جيرتنا؟ لأن أحدهما كان لطيف المعشر مطيعا ومهذبا فكان أن أطلقوا عليه اسم (لومومبا! وكان الثاني على العكس غليظا جافيا شديد الشقاوة والمشاكسة فأطلقوا عليه اسم (تشومبي)!. ولأن الشارع المصري العربي كان في تلك الزمانات واعيا بأمور السياسة, معاديا بشدة للاستعمار, مؤيدا بالتبرعات والمظاهرات والتضحيات لحركات استقلال الشعوب المناضلة هنالك احتفل الوجدان الشعبي باسم باتريس لومومبا وهو بطل استقلال شعب الكونغو الافريقي, وقد تآمروا على اغتياله بليل واستطاع الوطنيون هناك أن يهربوا أولاده الى القاهرة حتى تربوا وشبوا تحت وصاية عبدالناصر.. فيما تعامل نفس الوجدان الشعبي مع اسم مويس تشومبي بمنطق الرفض والتبغيض باعتباره زعيم مقاطعة كاتانغا المنشق والعميل للاستعمار البلجيكي في ذلك الحين. .. تلك كانت رسالة سياسية.. شقَّت طريقها في بساطة وعفوية الى أن وصلت ذات يوم الى دكان حلاق متواضع في حي أكثر تواضعا من أحياء القاهرة.