روت مجلة (اكونومست) اللندنية انه ابان اشتعال الحرب في وقت سابق من العام الجاري بين اثيوبيا واريتريا كانت الجاليتان الاثيوبية والاريترية في نيويورك تتباريان في ارسال المساعدات العينية والنقدية الى (الوطن) . وعمدا اضع كلمة (الوطن) في هذا السياق بين قوسين تعجبا لا يقل عن تعجب مراسل المجلة البريطانية. فقد نسي اولئك الاثيوبيون والاريتريون المقيمون في الولايات المتحدة, وأغلبهم من حملة الجنسية الامريكية كما أفاد المراسل, والتحقيق الذي نشرته المجلة ليس بلا مغزى فالمراسل يطرح تساؤلا يبدأ بمقدمه كما يلي: في المهجر الامريكي لايزال الفنزويليون يعتبرون ان المناسبة الوطنية العظمى التي يحتفلون بها سنويا هي ذكرى رحيل البطل القومي الفنزويلي سايمون بوليفار, عبدالناصر امريكا اللاتينية التي جاهد لتوحيد شعوبها خلال النصف الاول من القرن التاسع عشر. اما (الرابع من يوليو) , ذكرى استقلال الولايات المتحدة الامريكية فلا يرى فيه الفنزويليون الامريكيون مناسبة جديرة باحتفال شعبي وطني. العرب الامريكيون يتجاهلون ايضا (الرابع من يوليو) لصالح (ذكرى النكبة الفلسطينية) ليعيدوا الى أذهان (اخوانهم) , مواطني الشعب الامريكي الاخرين ـ بمن فيهم من اليهود ـ جريمة اغتصاب ارض فلسطين وتشريد الألوف من الفلسطينيين على ايدي العصابات اليهودية القتالية عام 1948. والهنود الامريكيون يرون فيما يبدو ان العيد الوطني الاكبر هو الاستقلال.. استقلال الهند عن الاستعمار البريطاني عام 1947 ـ استقلال امريكا. هنا يصل مراسل المجلة البريطانية الى تساؤله: اذا كان كل ذلك كذلك فأين (أمريكا الوطن) .. وماذا تعني عبارة (الوطن) هنا؟ ولم يترك المراسل التساؤل مفتوحا. فقد حاول ان يحاجج. وعلى رأس حججه ان الثقافة الانجلوسكسونية المبنية على اللغة الانجليزية لاتزال هي الثقافة القومية الغالبة على ثقافات الاقليات العديدة والمتعددة في أمريكا.. وبالتالي تظل اللغة الانجليزية, على الاقل, عاملا للتواصل القومي. لكن ما ان يطرح المراسل هذه الحجة حتى يسارع الى الاستدراك قائلا: ربما مسألة وقت فقط حتى تفقد الثقافة الانجلوسكسونية نفوذها لتنزل بمرور السنين الى مستوى ثقافة اقلية.. هي أقلية الناطقين بالانجليزية كلغة ام. لماذا؟ الارقام تتحدث عن نفسها.. فتقول لنا ان الامريكيين المنحدرين من العرق الانجلوسكسوني تتضاءل معدلات انجابهم بينما تتصاعد معدلات الانجاب لدى العرقيات الاخرى مثل اللاتينيين والاسيويين وعلى خلفية ارتفاع موجات الهجرة الى الولايات المتحدة من امريكا اللاتينية واسيا وافريقيا. خلال السنوات العشر الاخيرة وحدها ازداد عدد المواطنين الامريكيين المنحدرين من امريكا اللاتينية بنسبة 45 في المئة, والمنحدرين من اسيا ـ هنود وكوريين وصينيين ـ بنسبة 50 في المئة. حتى وقت قريب كان الامريكيون الانجلوساكسون يراهنون على احتكارهم للوسائل الاعلامية لتوسيع نطاق نفوذ الثقافة الشعبية المرتكزة الى اللغة الانجليزية وتراثها من خلال الافلام السينمائية والبرامج التلفزيونية وثقافة اغاني (البوب) واسلوب الحياة المسيحي. لكن بحلول عصر الفضائيات التلفزيونية والبث عبر الحدود الجغرافية صارت هذه المراهنة الان موضع شك. بفضل البث المباشر عن طريق الاقمار الصناعية منذ مطلع عقد التسعينيات يستقبل الان العرب الامريكيون مثلا القنوات الفضائية العربية داخل بيوتهم في اي مكان في الولايات المتحدة ثم جاءت ثورة الانترنت لتعزز انصراف الاقليات الامريكية الى منابع ثقافتها الاصلية. وصفوة القول ان (صراع الحضارات) الذي يتنبأ به الفيلسوف الامريكي المعاصر (الانجلوسكسوني الاصل) صامويل هنتنجتون قد يتفجر ابتداء من داخل الولايات المتحدة نفسها!