بعد عقد صعب من الزمان, ساده الاستبعاد في عام 1992 واجه الامريكيون العرب مجددا احتمال استبعادهم من حملة رئاسية ديمقراطية. وكما سبق ان اشرت من قبل, فقد كان السيناتور جوزيف ليبرمان هو الذي ناضل من اجل ادماجنا. والقصة الكاملة لهذا كله ينبغي ان تروى. على الرغم من المكاسب التي احرزها الامريكيون العرب على امتداد الثمانينيات كجزء من تحالف الحزب هذه المكاسب الى اعتراف كامل وقبول في الحزب على المستوى الوطني. في عام 1984, على سبيل المثال, لم يبد المرشح الديمقراطي للرئاسة آنذاك, والتر مونديل, اهتماما بتأييد الامريكيين العرب. وفي عام 1988 بعد ان تصدر الامريكيون العرب النقاش في المؤتمر الديمقراطي حول الحقوق الفلسطينية من الامريكيين العرب. في عام 1989 عندما اصبح رون براون, الرئيس السابق لحملة جيسي جاكسون, رئيسا للجنة الديمقراطية الوطنية بدأ الموقف في التغير, فقد حدد براون في اول خطوة له كزعيم حزبي موعدا لاجتماع معي, ليشير الى ان ابواب الحزب ستفتح للامريكيين العرب, واعترف بانديتنا الديمقراطية الامريكية العربية وألقى خطبا بانتظام في فعالياتنا. ومن هنا فإنه في عام 1992 كان امرا مثيرا للقلق بالنسبة لنا ان نكتشف ان بعض المساعدين في حملة كلينتون كانوا يحولون دون دخولنا الى الحملة, وفي حقيقة الامر فإن احد هؤلاء المساعدين, وهو شخصية قيادية في احدى المنظمات اليهودية على المستوى الوطني, قد واجهني بشكل مباشر ذات مرة, وقال لي: انني اعرف انكم تريدون المشاركة, ولكن ذلك لن يحدث. لماذا اتيح لكم المشاركة بينما كل ما تريدونه هو تحدينا فيما يتعلق باسرائيل؟ استبد بي الغضب. وحاول براون المساعدة ولكنه قال لي انني يتعين علي الحصول على تأييد آخرين. وبناء على نصيحة من صديق, مضيت لمقابلة سيناتور ليبرمان الذي كان معروفا بأنه تربطه صداقة وثيقة بكلينتون. عندما رويت القصة على مسامع ليبرمان استشاط غضبا, واتصل بحملة كلينتون, وطلب السماح لنا بالمشاركة فيها. وفي غضون ايام دعيت مجموعتنا الامريكية العربية الى المقر الرئيسي للحملة في ليتل روك بأركنساس لوضع خرائط لمشاركتنا في الحملة. وحينما سمعت خبر ترشيح السيناتور ليبرمان ليكون نائبا للرئيس في اطار حملة آل جور, استعدت ذكرى هذه الواقعة. وكنت اعرف ان هذا الترشيح سيثير ضيق الكثيرين من الامريكيين العرب, ولكنني عرفت كذلك ان السيناتور ليبرمان اذا اتيحت له الفرصة, فإنه سيطور علاقة ايجابية مع الجالية. ومن هنا فقد دعيت الى لقاء هذا المرشح مع العرب الامريكيين في اقرب وقت ممكن للشروع في بذل هذا الجهد. وفي السابع والعشرين من اغسطس التقى ليبرمان مجموعة من القادة الامريكيين العرب من ميتشجان وكان هذا الاجتماع مهما وتاريخيا لعدة اسباب. بينما اثار ترشيح ليبرمان الذي اعتبر انجازا ابتهاج الكثيرين من الامريكيين اليهود, فإنه في حقيقة الامر اثار شيئا من عدم الارتياح في صفوف الامريكيين العرب. لم تكن ديانة السيناتور هي مناط القلق, وانما احس الامريكيون العرب بالقلق في احد الجوانب من سجل تصويت السيناتور في القضايا ذات الاهمية بالنسبة للجالية. وكان جهده لنقل السفارة الامريكية في اسرائيل الى القدس, وهو الامر الذي من شأنه ان يؤدي الى عرقلة عملية السلام في الشرق الاوسط, ورعايته لخطاب مجلس الشيوخ الصادر في عام 1998 والذي استهدف كبح جماح جهود السلام التي يبذلها الرئيس كلينتون نموذجين يؤيدان هذا الشعور بالقلق. وكان هناك الشعور بالضيق ودرجة من الخوف ولدتها تجربة الامريكيين العرب, الذين تعرضوا للاستبعاد على العديد من مستويات الحياة السياسية الامريكية. وفي العديد من الحالات كان المشاركون في الحملات يبلغون الامريكيين العرب بصورة مباشرة بأن سبب استبعاد الجالية هو الخوف من ان مشاركتها ربما تؤدي الى فقدان الدعم اليهودي. وفي الاطار نفسه, نظر الامريكيون العرب بانزعاج الى ما يوشك ان يكون غيابا كاملا لهم في المناصب المهمة في البيت الابيض ووزارة العدل. ومنذ عام واحد فحسب شن كبار القادة اليهود حملة طالبوا فيها بعزل ابني من منصب في وزارة الخارجية الامريكية. وفي ضوء هذا التاريخ اعرب بعض الامريكيين العرب عن قلقهم من ان ترشيح جو ليبرمان الذي اعتبره الكثيرون من الامريكيين انجازا واعدا بالنسبة لجماعات الاقليات الاخرى, قد لا يحمل الوعد ذاته لهم في نهاية المطاف. ومن هنا فإن لقاء الامريكيين العرب بجو ليبرمان يتيح فرصة مهمة لتصفية الجو وايجاد درجة من الثقة بين المرشحين والجالية, وباعتباري احد المشاركين في هذا اللقاء, فقد شعرت بأن ذلك امر مهم لاسباب اخرى ايضا. كان هذا اللقاء اولا وقبل اي شيء آخر, اعترافا بمكانة الامريكيين العرب المتعاظمة في الولايات المتحدة, وبصفة خاصة في الحياة السياسية لميتشجان. وهناك ما يزيد على 350 ألف امريكي عربي في ميتشجان, وفي ضوء نسبة المشاركة الخاصة بالجالية في الانتخابات والتي تعد اعلى من المتوسط السائد, فإنهم يشكلون 4 ـ 5% من اجمالي الناخبين في ميتشجان. وقد قدمت تصريحات ادلى بها عدد من ممثلي ميتشجان في الكونجرس والذين حضروا اللقاء دليلا اضافيا على هذه المكانة المعترف بها وكذلك على الحقيقة القائلة ان اهتمامات العرب الامريكيين المتعلقة باقرار السلام في الشرق الاوسط ومعاناة الشعب العراقي والحقوق المدنية للمهاجرين هي قضايا ذات اهمية كبيرة جديرة بمعالجتها. ومن الامور المهمة كذلك الاستجابة الجديدة التي اظهرها الديمقراطيون تجاه العرب الامريكيين, فالرئيس بيل كلينتون لم يكن هو وحده الذي مد يده الى الجالية, والقى آل جور خطابا امام مؤتمر وطني للامريكيين العرب عقد في ميتشجان في نوفمبر 1999 (وهي المرة الثالثة التي يلقي فيها خطابا امام تجمع عربي امريكي على المستوى الوطني خلال توليه منصب نائب الرئيس) وامضت زوجته تيبر اصيلا في زيارة الجالية العربية في ميتشجان في مارس 2000, والآن ها هو جو ليبرمان في اول انطلاقة له في الحملة الانتخابية بمفرده يمضي ما يزيد على الساعة في حوار صريح ومفتوح مع الزعماء الامريكيين العرب. ووصف كل من السيناتور ليبرمان والزعماء الامريكيين العرب هذا الاجتماع بأنه (بداية واعدة لحوار جديد) ولم تكن هناك انجازات مفاجئة ولا (اعياد غطاس للروح) غير انه جرت مناقشة صريحة وشاملة للقضايا وبذل جهد مخلص لمد جسور التفاهم والثقة. وحدد السيناتور ليبرمان في تعليقاته الافتتاحية الايقاع الذي ساد الاجتماع وذلك لأنه اعاد الى الاذهان كيف انه ناضل من اجل مشاركة الامريكيين العرب في حملة كلينتون في 1992 وكيف انه عمل في مجلس الشيوخ لضمان الاعتراف بالامريكيين العرب والامريكيين المسلمين واحترامهم. وعندما كانت بعض الجماعات اليهودية تطالب بنبذ المجلس الاسلامي في واشنطن قام ليبرمان برعاية حفل افطار اقامه المجلس في الكابيتول هيل, كما قام كذلك برعاية قرار لمجلس الشيوخ كنا قد وضعنا صياغته يدعو الكونجرس الى التوقف عن اظهار الاسلام بمظهر سيىء. وعندما قدم المعهد الامريكي العربي جائزة للسيناتور ليبرمان تقديرا لجهود تقبلها باعتزاز متجاوزا اعتراضات بعض الجماعات اليهودية. واختتم السيناتور ليبرمان ملاحظاته الاستهلالية بالتعهد للمجموعة الامريكية العربية المشاركة في اللقاء بأنه سيعمل من اجل ان يساعد ترشيحه الذي يعد انجازا على تحقيق انجازات فيما يتعلق بوظائف الامريكيين العرب وتعييناتهم وحقوقهم في اطار ادارة جور ـ ليبرمان المستقبلية. وقال ان مجرد قول ذلك ليس كافيا وانما (يتعين علينا القيام به) . وظهرت خلافات في مناقشة العديد من القضايا الداخلية والمتعلقة بالسياسة الخارجية. وبينما لم يتردد السناتور في ايضاح مواقفه, فإنه ابدى بعض التحرك في هذه المواقف, وانفتاحا مؤثرا في معرفة المزيد مما يطلعه عليه الامريكيون العرب. وفيما يتعلق بالقدس ادلى بملاحظة قوامها انه بينما قام في حقيقة الامر برعاية القانون الذي يقضي بنقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس, بعد ملاحظة التقدم الذي تم احرازه في مباحثات السلام, فإنه يشعر الآن بأن من الافضل (الرجوع الى الوراء) وترك الاطراف المعنية تكمل مفاوضاتها, ولاحظ ان المناقشات (الدائرة حول تقسيم القدس وانشاء دولة فلسطينية والتعامل مع اللاجئين الفلسطينيين) تجري الآن في اسرائيل وبين المفاوضين الفلسطينيين والاسرائيليين, وقد تحركت (بعيدا على نحو يتجاوز المناقشات التي جرت في مجلس الشيوخ الامريكي) . وفيما يتعلق بالعقوبات المفروضة على العراق اشار ليبرمان الى انها تعد (سياسة غير مرضية) كما اعرب عن امله في اقرار سلام شامل تدخل فيه سوريا ولبنان وتعهد بتأييد زيادة امريكية فورية لمساعدة لبنان. وقال ان (هذه فرصة تاريخية) لمساعدة لبنان. وتحدث عن زيارته الاخيرة للبنان ولقاءاته مع القادة هناك وصداقاته التي امتدت طويلا مع القادة السعوديين والمصريين والاردنيين والفلسطينيين وغيرهم من القادة العرب. وقد خرجت من هذا اللقاء متأثرا بامكانية ان ترشيح جو ليبرمان ربما يتيح فرصة تاريخية للامريكيين العرب, اذا استمرت الاطراف كافة في التعامل معه بشكل بناء. وتمثلت احدى النتائج الايجابية المثيرة للاهتمام التي تمخض عنها هذا اللقاء في ان احد القادة الامريكيين العرب الجمهوريين قد اتصل بي هاتفيا ليشير الى انه بعد سماعه باللقاء مع ليبرمان فإن القيادة الجمهورية ترغب الآن في عقد لقاء بين العرب الامريكيين الجمهوريين ومرشحهم لمنصب نائب الرئيس ريتشارد تشيني. وفي نهاية المطاف فإنه سيكون امرا مثيرا للغاية اذا شكلت انتخابات عام 2000 نهاية للاستبعاد السياسي وبداية لعهد جديد يبدي فيه الحزبان احتراما للامريكيين العرب. رئيس المعهد الامريكي العربي