يكشف لنا البرنامج الليكودي ـ قضيتين هامتين: الأولى منهما الخاصة بالفقرة (ب) نحو سلام حقيقي ومنع الحرب, والخاصة بمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل, ويراها الليكود من منظور (التحول التاريخي في مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط) حيث جاءت تلك المعاهدة ثمرة سياسة الحكومة الليكودية. ولعل ذلك يؤكد رؤيتنا على أن السلام في المفهوم الصهيوني ـ الإسرائيلي يعني الأمن الإسرائيلي, لذا كان طبيعيا أن ترى كتلة الليكود بعد أن انسحبت مصر من دائرة فعل الصراع العربي ـ الإسرائيلي بنصوص تلك المعاهدة, وبعد أن تم الانهيار الكبير في الاتحاد السوفييتي وبعد أن تم تصفية القوة العسكرية العراقية. بعد كل ذلك كان طبيعيا أن يطرح الليكود في برنامجه المقدم في انتخابات الكنيست الثالث عشر 1992 منظوره للتحول التاريخي في مكانة إسرائيل. أما القضية الثانية هو تمسك الليكود في برنامجه برفض المؤتمر الدولي ـ حسب رؤية المعراخ ـ لخشيته من أن يكون فخا لإسرائيل يؤدي لانسحابها إلى خطوط 1967 وهنا علينا أن نتذكر ما حدث في مؤتمر مدريد حيث تم دعوة اطراف الصراع لجلسة افتتاحية مجرد جلسة افتتاحية تحت رعاية الدولتين العظمتيين, الولايات المتحدة التى انفردت بالنظام الدولى, وروسيا الجريحة الخارجة تحت حكام انهيار الاتحاد السوفييتى. ولعل ماحدث حتى الآن من انسحابات يؤكد رؤية الليكود, كما يؤكد القواسم المشتركة بين العمل والليكود بالنسبة لأمن اسرائيل. فلا مانع أن يقدم العمل الطعم بشرط ان يلتزم مع الليكود بكافة مواصفاته وأحجامه فكل الأولوية لأمن اسرائيل. أما انتخابات الكنيست الرابع عشر فى عام ,1996 جاءت فى ظل وضوح كامل للبيئة الدولية وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالنظام العالمى, وجاءت فى ظل بيئة عربية نظيفة من القوة المواجهة لاسرائيل, بل وجاءت وحصار ايران ما زال فى أوجه ومن هنا فكان من الطبيعى أن يرفع الليكود شعار (السلام مقابل السلام) فى مواجهة شعار العمل (الأرض مقابل السلام) ومن المعروف ان الانتخابات قد تمت قبل موعدها فى اطار حسابات حزبية تتمثل فى توظيف (التحول الوقتى) كما يقول د.عماد جاد فى كراسته الصادرة من سلسلة كراسات استراتيجية برقم (43) تحت عنوان (الانتخابات الاسرائيلية ومستقبل عملية السلام) الذى طرأ على الرأى العام باتجاه دعم معسكر (اليسار) بعد اغتيال رابين, من أجل الجمع بين أغلبية برلمانية ومنصب رئيس الوزراء المنتخب على نحو يمكن الحزب مع معسكره من وضع برنامجه تجاه عملية التسوية موضع التطبيق. ومن المعروف ان الانتخابات قد جرت على موقع رئيس الوزراء حسب القانون المعدل بين شيمون بيريز ممثلا للعمل بعد اغتيال رابين وبين نتنياهو زعيم الليكود الشاب, وقد حصل الليكود فى الكنيست الرابع عشر على 32 مقعدا فى مقابل 34 للعمل وفاز الليكود بموقع رئيس الوزراء بفارق 29457 صوتا. وتقدم الليكود كعادته ببرنامجه الذى نص بشأن التسوية على الآتى: أن الأمن هو الاعتبار الأول فى أى اتفاق سلام توقعه اسرائيل. وأن الليكود يسعى بالفعل الى السلام الكامل فى الشرق الأوسط, ويعترف بالحقائق التى تشكلت على أرض الواقع, حيث اعترف المؤتمر السياسى للحزب والذى عقد فى 29 يناير ,1996 بالسلطة الفلسطينية والحكم الذاتى فى المناطق. ويستند السلام الذى يطرحه الليكود على المبادئ الآتية: المسار الفلسطيني: تأييد الحكم الذاتى الفلسطيني. رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة. تمتع اسرائيل بحرية كاملة فى الضفة والقطاع لاسيما فى معركتها ضد الارهاب. احتفاظ اسرائيل بسيادتها على المناطق ذات الأهمية الأمنية وأيضا المستوطنات اليهودية. الاحتفاظ بالموارد المائية فى الضفة الغربية, وعدم تقسيم هذه الموارد. القدس الموحدة هى عاصمة اسرائيل الأبدية, وانهاء كافة أنشطة السلطة الوطنية فى المدينة وفى مقدمتها (بيت الشرق). نهر الأردن يمثل الحدود الشرقية لاسرائيل, وهى الحدود الدائمة بين اسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية, وسوف يشارك ملك الأردن فى الاتفاق النهائي بين اسرائيل والفلسطينيين. ب ـ المسار السورى: الجولان جزء لا يتجزأ من اسرائيل وافقا للقانون الصادر عن الكنيست عام ,1981 والتسوية مع سوريا تستند الى مبدأ السلام مقابل السلام, والأمن مقابل الأمن. (ومن المعروف أن برنامج حزب العمل فى قضية الجولان ينظر على أنها منطقة حيوية من الناحيتين القومية والأمنية لاسرائيل). وهنا لابد أن نطرح سؤال: هل هناك فرق فى المبادىء والثوابت بين الليكود والعمل فى قضية القدس والمستوطنات والحدود الشرقية لإسرائيل, والدولة الفلسطينية ذات السيادة, والاحتفاظ بالموارد المائية, وتمتع اسرائيل بحرية كاملة فى الضفة والقطاع لاسيما فى مطاردة المقاومة الفلسطينية, بل والجولان على مايبدو من مرونة العمل فى ذلك الا انه متشدد على مستوى اجراءات الأمن والتطبيع والدور. فى 17 مايو, جرت الانتخابات الاسرائيلية المبكرة لرئيس الحكومة وللكنيست الخامس عشر بعد ثلاثة أعوام من تسلم الليكود, بزعامة بنيامين نتنياهو, مقاليد السلطة فى اسرائيل. وقد فاز رئيس حزب العمل ايهود باراك بمنصب رئيس الحكومة, كما فازت القائمة التى يتزعمها (اسرائيل واحدة) بأكبر عدد من الأعضاء فى الكنيست, ويهمنا هنا ايضا قراءة برنامج الليكود بشأن المشكلة الفلسطينية وكيف يراها بعد ثبات مبدأ التفاوض وموقفه من كافة القضايا الأخرى من عاصمة اسرائيل القدس, المستوطنات, الأمن, الجولان, التطبيع, حق العودة.. الخ. اسرائيل دولة يهودية وديمقراطية والصهيونية هى حركة التحرير الخاصة بالشعب اليهودى, ويوضع تحقيقها فى رأس سلم أولويات الحكومة الاسرائيلى. وتشكل دولة اسرائيل وسيلة لتحقيق أهداف الصهيونية. وستعمل الحكومة بإخلاص وزخم من أجل تحقيق الصهيونية من خلال زيادة الهجرة والاستيطان وبناء البلد وتطويره وتعميق ارتباط الشعب اليهودى بإسرائيل وارتباط يهود المنافى بدولة اسرائيل وبتراث اسرائيل. سيضمن استمرار ازدهار ثقافة يهودية اسرائيلية فى مواجهة مابعد الصهيونية وشروط القرية الكونية, ثقافة تقوم على أساس الثقافة اليهودية التقليدية بجميع تلاوينها وطوائفها, وتتغذى من ثقافة الغرب العلمية الديمقراطية. (ج) ستضع الحكومة امام ناظريها الحاجة الى رعاية وحدة الشعب اليهودى والحفاظ عليها, وستعمل على تعميق التعليم اليهودى والصهيونى ومنع ذوبان الشباب اليهودى (فى المجتمعات التى يعيشون فيها) فى انحاء العالم. (د) سيحافظ على الوضع القائم فى موضوع الدين والدولة وستعمل الحكومة على تقريب القلوب بين المتدينين والعلمانيين بطرق لطيفة وبروح حب اسرائيل. 2 ـ الحقوق: إن حق الشعب اليهودى فى أرض اسرائيل حق أبدى غير قابل للنقض. ويتداخل هذا الحق الأساسى مع حقوق أساسية اضافية: حق شعب اسرائيل فى السلام والأمن, حق مواطنى اسرائيل كلهم, سواء أكانوا مهاجرين أم قدامى, متدينين أم علمانيين, أقليات أم يهود, يمينيين أم يساريين, فى الاندماج الكامل والمنسجم فى الدولة بمختلف أجهزتها, وفى علاقة تقوم على الاحترام والتعاطف من جانب وسائل الاعلام الاسرائيلية. 3 ـ الأمن: إن وجود إسرائيل كدولة يهودية مستقلة فى الشرق الأوسط مرهون, أولا قبل كل شئ بالأمن. ولذلك فإن مهمة اسرائيل فى الحفاظ على أرصدتها الأمنية من أجل ردع كل عدو, وضمان قدرتها على الدفاع عن نفسها فى أوقات الأزمات, هى شرط ضرورى وعنصر يحتل المكانة الأولى فى أية تسوية سياسية. 4 ـ القدس: هى العاصمة الأبدية للشعب اليهودى, مدينة واحدة موحدة, غير قابلة للتقسيم. ولن تجرى إسرائيل أية مفاوضات فى شأن القدس, وستعمل على تعزيز طابعها ورموزها اليهودية, وستزيد فى زخم الاستيطان اليهودى فى انحاء المدينة كافة. 5 ـ أسس السلام: سيعمل الليكود من أجل التوصل الى سلام وحدود دائمة فى اطار معاهدات سلمية بين اسرائيل وجيرانها, وسيشجع التعاون معها فى الحياة العملية, وهى تشمل علاقات دبلوماسية طبيعية, وفتح الحدود امام العبور الحر, والتعاون الاقتصادى, واقامة مشاريع مشتركة فى مجالات العلوم والتكنولوجيا والسياحة والصناعة. من أجل إزالة الشكوك التى تطورت خلال مائة عام من الحرب بين الشعب اليهودى فى إسرائيل وجيراننا العرب, وشق الطريق الى سلام حقيقى, يجب إيجاد آليات بناء الثقة بصورة متدرجة فيما يتعلق بمشاريع للتعاون. ولهذه الغاية, يجب تشجيع اقامة مشاريع مشتركة وترتيبات اقليمية فى المجالات التالية: وقف سباق التسلح, تحلية المياه, تطوير مصادر المياه واستغلالها استغلالا صحيحا, انتاج الطاقة, حماية البيئة من التلوث والاصابة بالاضرار, السياحة المشتركة, وما إلى ذلك. (ج) إن الاختيار لإرادة الدول العربية فى السلام هو منع نشاط المنظمات الإرهابية على أراضيها, وإقفال مقرات قياداتها, ووقف الحرب السياسية والاقتصادية والأعمال العدائية العسكرية فى فترة المفاوضات. (د) إعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد عبر السلطة الفلسطينية سيشكل خرقا أساسيا وجوهريا للاتفاقات مع دولة اسرائيل, ومعناه إلغاء (أوسلو) و(واى). (هـ) لن تسمح دولة إسرائيل, بإقامة دولة عربية فلسطينية غربى نهرالأردن, فى إمكان الفلسطينيين أن يديروا حياتهم, بصورة حرة, فى اطار حكم ذاتى, لا فى اطار دولة مستقلة وذات سيادة, ولذا سيقيد عملهم فى مجالات الخارجية والدفاع والهجرة والبيئة, وفقا للضرورات الناجمة عن حاجات إسرائيل الوجودية والأمنية والقومية. (و) ستظل القدس العاصمة الكاملة والموحدة لدولة إسرائيل. (ز) الاستيطان تعبير واضح عن حق شعب إسرائيل, غير القابل للنقض, فى أرض اسرائيل, وهو يشكل رصيدا مهما للدفاع عن المصالح الحيوية لدولة إسرائيل, وسيعمل الليكود على مواصلة تعزيز الاستيطان وتطويره. (ح) ستحافظ اسرائيل على بناها التحتية الحيوية, وعلى رأسها مصادر المياه وستمنع أى أضرار بمصالحها فى هذا المجال. (ط) سيكون المجال الجوى فوق يهودا والسامرة وقطاع غزة مفتوحا امام سلاح الجو الإسرائيلى ويدار من قبل اسرائيل. وسيتمتع الجيش الاسرائيلى والأجهزة الأمنية الاسرائيلية بحرية كاملة فى العمل للدفاع عن اسرائيلومواطنيها. (ى) أن تخلي العرب عن محاولة تقويض وجود إسرائيل تحت شعار (حق العودة) شرط ضرورى لتسوية وسلام قادر على النفاد. (ك) اجبار اللاجئون اليهود من البلاد العربية, البالغ عددهم نحو مليون نسمة, على مغادرة الدول العربية بعد قيام دولة اسرائيل, مع اجبارهم على التنازل عن ممتلكاتهم, وستتقدم حكومة الليكود, فى المفاوضات السياسية, بطلب تعويضات لقاء معاناة هؤلاء اللاجئين وفقدانهم ممتلكاتهم. (ل) سيادة إسرائيل على الجولان والعمل على تعزيز الاستيطان على أرضه. تفاصيل كثيرة فى برنامج الليكود المقدم فى انتخابات الكنيست الخامس عشر ,1999 وذلك تأكيدا على الإيمان بالتمسك بأجندة كاملة مليئة بالتفاصيل فى مفاوضات التسوية الجارية والسؤال هو عن التفاصيل أيضا ماذا كان موقف مفاوض حزب العمل؟ ماذا كان موقفه من قضية سيادة الدولة الفلسطينية؟ وماذا كان موقفه من قضايا تعويضات اليهود العرب؟ وماذا كان موقفه من منع نشاط المنظمات الفلسطينية على أراضى الدول العربية المحيطة بـ (اسرائيل)؟ وماذا كان موقفه من الاستيطان وتعزيزه؟ وماذا كان موقفه من سيطرة اسرائيل على المجال الجوى فى كل من الضفة والقطاع؟ باختصار هو نفس موقف الليكود. كاتب وباحث مصري