سافرت ياقُرَّة العين ونبض الفؤاد وعيوننا معلّقة بك وقلوبنا مشغولة عليك.. لا نصبر عنك ولا نطيق فراقك مهما قصر أمده وقلَّ وقته.. نرنو اليك بعيون سابحة في أفق الأمل ومداه.. نهفو لنسيم يهبُّ من صوبك ولخبر يتعطَّر بنفحك وريّاك.. كلنا يا غالياً تلك العين الولهى المتطلّعة اليك, وذلك القلب الظامىء المشغول بك.. لا يسلو لنا خاطر أو يهدأ لنا بال, ولا يلذُّ لنا طعام أو يساغ لنا شراب, ولا يطمئن بنا حال أو يصفو لنا وقت, ولا يغمض لنا جفن أو تطوف بعيوننا هجعة أو تحط بنا غفوة.. وذلك ياسيدي ما جفانا وجفوناه وخاصمناه وخاصمنا في غيابك عنا وبعدك منّا نحن احباؤك من هاموا فيك وتدلَّهوا بك وجنّوا بعشقك وغرامك.. فأنت منا الدم في العروق والروح من الجسد توأمان لا ينفصمان.. أظلم ليلنا وغارت نجومه ودمس دجاه في عيوننا إلاّ من وميض نور يبرق لنا سناه من بعد المسافات تحمله لنا صور وأخبار متقطِّعة تجود بها وسائل الاعلام حيناً ونتنسَّمها أحياناً من أفواه من نظن أن لديهم بعض علم وخبر عنك, نحاول أن نطمئن بها نفوسنا ونهدىء من روعنا رغم ان شوقنا عارم مضطرم أواره لا يطفىء لظاه أو يخفف من ناره مثل ذلك الوميض الموافي من حين لآخر.. فالنفس مشغولة بك وملهوفة عليك, والجسم وما حوله كيانه متصِّل بك, ساكن فيك لا يريم عنك فكاكاً ولا لغيرك تحوّلاً.. وأنت ياسيدي ساكن فيه ممتد في أوصاله ومفاصله تسري في دمه وعروقه وتختلط نبراته وخلجاته وخلاياه وتمتزج بلحمه وعظمه ومشاعره وأحاسيسه وينبض بك قلبه في ليله ونهاره وفي كل أوقاته ولحظاته.. غدا اسمك نشيده ورسمك عشقه ووفاؤه لا تغيب عنه طرفة عين, ولا يفارق شيء منك ذهنه, وخياله مأسور بأغلال الحب فيك والتفاني في إخلاص المودة والنقاء والصفاء لك ما لا يتّسع ذلك عنده لغيرك من الناس.. أجلسناك على عروش قلوبنا سيِّداً ووالداً وحبيباً وبسطنا لك رداء محبَّة نادرة قاصرة عليك دون سواك, ووطدنا لك أكناف مهجنا راضين مستلذين لتختال فيها كما تشاء, وتطأ ديباج فرشها غدوة ورواحاً.. فلك العين وما حوت, نحملك في أحداقها ونغمض عليك جفونها يا إنسان عيوننا ويا صفحة مجدنا وتاريخ عزِّنا ويا كل شيء فينا. ظللنا على حال من الشوق والتوجُّس حتى وافانا فيض من النور أجلى الهمَّ وأزاح الغم ومسح كدر الصدور وأحال الحال إلى فرح وسرور.. وهلَّت البشرى طربة ريَّانة وسرت نشوتها في ربوع البلاد بمن فيها ومن فيها.. وعمَّ المرح وأفترَّت الشفاه بأحلى بسمة حتى الطير على أغصانه وفي أعاليه ردَّد الفرح غناءً ورفرفة وجاوبه الشجر اهتزازاً وهفهفة وهبَّ هواء آخر هذا الصيف لا كما نعهده حرارة ورطوبة وانما به مسحة كبيرة من نسيم عليل طافح بأطيب رائحةٍ وأعذب عبير يحيي الأمل وينعش الروح. إيه يا نفس ما أجمل ذلك الخبر الذي وافاك على حين ظمأ وحطَّ بأرضكِ فأحالِك إلى غير ما أنتِ عليه من سكون يكاد يكون جموداً الى حركة وطاقة من البشر والسعادة.. لقد كان لخبر شفائك ياسيدي وقعٌ لا يمكن ان يوصف من النشوة الغامرة التي عمَّت كياننا وسرت في أوصالنا وأثلجت صدورنا بعد أن كانت تفور مراجلها وتغلي شرايينها لما يذكيه فيها بعدك عنا واعتلال شيء من صحتك مما نتلمَّسه عنك ونحسّه فيك من طول انشغالنا بك وتفكيرنا فيك وشعورنا بما يلمسك من عناء وما يصيبك من تعب لطول ما جالدته فينا وما حملته عنا من مسئوليات وما تحمَّلته من أعباء جسيمة كالجبال, وما يشغلك من همومنا وترتيب أمورنا من أجل حياة كريمة نعيشها في كنفك, نحن الذين سهرت لهم وتعبت بسببهم وبذلت لاسعادهم من دمك وعرقك وجهدك وعمرك ما نحن له عارفون ومقدِّرون.. فلك من أعمارنا سخيّة ما نمدُّ به في أيامك الغراء التي كانت صفاءً وسعادةً ونعمةً عامرة لأبناء شعبك وأمتك وللعالمين أجمعين.. ملكت الخير فلم تبخل به وكنت كالريح المرسلة.. فتحت ينابيعه الجارية لتسيل وديانه بالنماء للشعب والأمة ولكل عاجز وفقير حتى غدوت أمل المحتاجين والمعوزين ومثلاً يضرب في الجود والكرم في دنيا البشر. تسنَّمت زمام الأمر في امارتك ومن ثم في دولتك وكانت الحياة تتهادى على ما نعهدها من الرتابة والعادية في كل شئونها واذا بك في وقت قياسي تخطيت بها الحواجز وبلغت بها الذرى.. شُدْتَ معالم المدنية والحضارة على أرضها حتى غدت منارة تشع بالنور والضياء في كل جوانبها.. سلكت بها سياسة عُرفت فيها بحكمتك وبُعد نظرك على جميع الأصعدة ونلت لقباً انت به جدير وبحمله قدير (حكيم العرب).. وساهمت من خلال ما آتاك الله من حب للخير في نفع عباد الله من هذا النعيم والفضل المتّسع.. مددتَّ يدك المعطاء تنثر الخير في كل بقعة ومكان على الأهل وعلى القريب والبعيد وبلغت ـ رعاك الله ـ غاية الجود وقمَّة الكرم والسخاء.. فكم لك من مآثر شيَّدتها في كثير من البلدان ومعالم أقمتها لمساعدة المحتاجين من عباد الله في الداخل والخارج.. أشدْتَ للدين معاهده وللعلم مدارسه وأرسلت البعثات وتكفّلت بالنفقات وأسديت المعروف ورعيت العلماء وبنيت المساجد ودور الأيتام وكسيت وأطعمت المعوزين ومازلت تسدي وتنفق وتعطي شرقاً وغرباً.. فأنت الجود عينه والخير نفسه.. لا تكلُّ ولا تملُّ من الخير والحث على الانفاق في أوجهه وترى نفسك رغم ما قمت به لم تفعل شيئاً.. فللّه انت من خير.. ان لك من اسمك نصيبا وافرا.. فأنت زايد في كل شيء لم نشهد لك مثيلاً او مشابهاً.. فعلت الخير ونفعت به الناس لم تطلب به رضى ولا من ورائه ذكراً ولم تتحدَّث عنه مِنَّة.. وانما أسديته لوجه الله وفعلته ابتغاء مرضاته.. خيرك أكبر وأعم من ان نُحصيه ونفسك المحبة لأعمال البر لا يحيط بها وصف ولا يحدها حديث.. فأنت كبير ومن رحم هذا الكبر والتطلُّع يأتي حجم مساهماتك ومشاريعك الخيِّرة التي تغرسها يدك في أرض الله لمنفعة عباد الله الذين يشغلون من نفسك حيزاً واهتماماً وحرصاً على تقديم العون والمعروف لهم.. كثيرون من بسطاء الناس في بلاد الله يعرفونك بخيرك الذي وصلهم دون ان يروك او تراهم ولكنك حي في خواطرهم نابض في وجدانهم بأطيب ذكر وأجمل صورة لك.. يتحدثون عن مآثرك ويثنون على أعمالك الخيِّرة ويدعون الله لك بالصحة وطول العمر والسداد في الدنيا والآخرة.. رأيتهم بعيني وسمعتهم بأذني وعندما يعرفون انني من شعبك تلهج السنتهم لك بجميل الدعاء وطيب الحديث والذكر فأدعو الله لك معهم لأنني أعلم مقدار ما تنفِّس به كرب المكروبين وتفك به ضائقة المحتاجين وتيسِّر به على أهل العوز والفاقة من هؤلاء البسطاء في شتىِّ الأقطار بحبِّ منك لما تفعل وقرَّة عين ما تقوم به من هذه الأعمال من أجل رضى ملك الملوك عنك.. ولا تزال ـ يرحمك الله ـ تنفق الخير وتغدق الجميل وتُسدي المعروف وتنثر البر يميناً وشمالاً ما وسعك حب الخير وحب الفقراء والمحتاجين حتى أصبحتْ صورتك في أذهانهم محفوفة بهذا الاطار الجميل وغدوت مثلاً للخيِّرين.. فاذا ذُكر زايد تبادر الى أذهانهم فعل الخير.. فكأنك والخير توأم ولدتما من بطن واحدة وغذيتما من دَرٍ كريم.. فلا تكاد تعدو صورتك عندهم هذا الشكل الجميل المميَّز.. ولربَّما سبقت خاصيَّة الخير في اذهان الناس عن زايد خاصيَّة كونه حاكماً, ولعمري فان ذلك أدوم وأنفع وأهم من الملك.. فالمُلك يزول بانتهاء الحياة ولكن يبقى فعل الخير ممتد الأجر موصول الثواب الى أن يرث الله الارض ومن عليها ومن ثم يجازي به سبحانه الجزاء الأوفى في نعيم الجنَّة ومأواها. الحديث عنك يتشعَّب ويطول وحسبي ما قلته لأنني مهما قلت فلن يكفي عنك حديثي او حديث غيري من المحبين... فأنت أكبر مما أقول وأبعد مدى واتساعاً مما أصف وحسبي ما في قلبي من حب لك يكاد يعصف بي.. فالحمد لله على ما أنعم به من شفائك فزال الهم وطار الشر وحلَّت البركة وعادت الصحة على أكمل ما يكون وعمَّت الفرحة قلوبنا وديارنا.. فعد الينا فقد أضنانا الشوق اليك وخار بنا الصبر فلم نعد نطيق غيابك.. فعد لتكتمل فرحتنا بعودتك ولتطير بنادير الفرح على كل بيت.. حفظك الله ورعاك وسدَّد على طريق الخير خُطاك وجعلك من طال عمره وحَـسُـن عمله انه سميع مجيب.