في الولايات المتحدة صارت اسعار الوقود قضية انتخابية يزايد فيها مرشحا الرئاسة, (الديمقراطي) و(الجمهوري) , على بعضها البعض. وفي فرنسا اضرب صائدو الاسماك وخرجوا في مظاهرات لم تخل من العنف.. يحتجون على تصاعد اسعار الوقود. ولولا ان السلطات تجاوبت معهم بسرعة باتخاذ تدابير تؤدي الى خفض الاسعار لانتقلت عدوى الاحتجاج الى انه الارتفاع المتصاعد في اسعار النفط الخام في السوق العالمية الذي بلغ خلال اقل من سنتين اكثر من ثلاثة اضعاف من مستوى 10 دولارات للبرميل الى اكثر من 31 دولارا. والآن تتطلع انظار العالم الى اجتماع وزراء اوبك المقرر عقده في فيينا في 10 سبتمبر الجاري على خلفية ضغوط متزايدة في الولايات المتحدة على دول المنظمة لكي تتبنى المنظمة قرارا برفع اجمالي معدل انتاجها اليومي بنسبة كبيرة تؤدي الى خفض اسعار الخام بصورة ملموسة, فهل ينشأ خلاف بين دول المنظمة في الاجتماع الوزاري المرتقب؟ من الواضح ابتداء انه ليس هناك خلاف على زيادة المعدل الانتاجي من حيث المبدأ لكن الدول الاعضاء مختلفة فيما يبدو حول مدى هذه الزيادة بحيث نستطيع ان نقول ان هناك الآن فريقين: فريق يرى ألا تتجاوز الزيادة 500 الف برميل في اليوم وفريق آخر يحبذ ألا تقل عن 700 الف برميل يوميا. ان الدول الصناعية المستهلكة وفي مقدمتها الولايات المتحدة ترى ان زيادة بمقدار نصف مليون برميل يوميا لن تؤدي, بالنظر الى تصاعد الطلب العالمي على النفط, الى خفض الاسعار بنسبة كبيرة, فواشنطن لا تريد انخفاضا سويا في حدود دولارين او ثلاثة, انما تريد تراجع الاسعار الى مستوى (الحد المعقول) والتفسير الرقمي لهذا (الحد المعقول) من المنظور الامريكي هو ان يكون متوسط الاسعار ما بين 20 و25 دولارا. ان حسابات الولايات المتحدة منطلقة بالطبع من اعتبارات مصالحها الذاتية الاقتصادية, كدولة مستهلكة للنفط ومنتجة له في آن معا. فعندما يقل السعر عن 20 دولارا فإنه يلحق ضررا بأصحاب الآبار النفطية في تكساس. وعندما يزيد على 25 دولارا فإنه يرفع كلفة الاستيراد النفطي مما ينعكس على كلفة الانتاج السلعي الصناعي في امريكا. لكن معادلة البيع والشراء ـ بيع وشراء النفط في هذه الحالة, لا تتكون من الاطراف المستهلكة فقط, فالاطراف المنتجة لها ايضا مصالحها بطبيعة الحال. والوضع المثالي هو كما تقتضي اصول البيع والشراء, هو ان يكون التراضي المتبادل بين المنتجين والمستهلكين هو اساس تحديد الاسعار, لا ان يفرض احد الطرفين مصلحته الذاتية على الطرف الآخر. غير ان المشكلة على صعيد الواقع ليست بهذه البساطة تماما, ذلك ان منتجي اوبك ليسوا فيما يبدو على توافق كامل في نظراتهم الى السوق. والمأمول ان يتبلور توافق بحلول موعد الاجتماع الوزاري في فيينا حتى تقف مجموعة المنتجين في جبهة موحدة ازاء مجموعة المستهلكين وإلا فإن اضطرابا ما سوف يصيب سوق النفط العالمية. ان دول اوبك في اجمالها تحتاج كلها الى كل دولار اضافي يمكن ان تحصل عليه في صادراتها النفطية, فمنها من يعاني مديونية خارجية كبيرة.. ومنها من يقاسي من عجوزات مزمنة في الموازنة العامة.. ومنها من نجح لتوه في تصحيح العجز.. وجميع الدول المنتجة بالطبع لها طموحات تنموية متجددة. وعلى هذا الاساس يكون الوضع كالتالي: من مصلحة المنتجين ان تكون اسعار النفط في حال صعود لكن ليس الى المدى الذي قد يضطر المستهلكين الى خفض الطلب او رفع اسعار صادراتهم من السلع المصنعة الى اسواق المنتجين, فمعادلة التبادل التجاري تعمل في الاتجاهين.